صدر عن مركز الزيتونة ورقة علمية من إعداد الأستاذ الدكتور وليد عبد الحي بعنوان: "الترابط بين الانحراف الاجتماعي والعنف السياسي في مجتمعات الاستعمار الاستيطاني: "إسرائيل" نموذجاً".

حيث اعتبر الباحث أن تنوّع البيئات الاجتماعية التي جاء منها المستوطنون تشكّل أحد أبرز مشكلات المجتمعات الاستيطانية (مثل "إسرائيل"، والولايات المتحدة، وجنوب إفريقيا في فترة التمييز العنصري…إلخ) إذ يتسبب ذلك جعل المنظومة القيمية للمجتمع متضاربة، من حيث ترتيب وتركيب السلم القيمي بشكل عام، وتحديد القيمة العليا في هذه المنظومة بشكل خاص.

وطبقاً لعدد من الدراسات المتخصصة يتبين أن المجتمعات الاستيطانية الإحلالية، التي قامت بتصفية أو تهجير أو تدمير أو تمزيق المجتمع الأصلي، تجعل من القوة القيمةَ العليا الجامعة، التي يشترك فيها أغلب أفراد المجتمعات الاستيطانية؛ على الرغم من التباين الحاد في خلفياتهم الاجتماعية والثقافية. إذ إن نشوء المجتمعات الاستيطانية تمّ بالقوة، ثم إن النجاح في ممارسة هذه القوة سواء ضدّ السكان المحليين أم ضدّ الطبيعة يعزز من مركزية فكرة القوة والعنف.

ورأى الدكتور عبد الحي أن مصدر الانحراف الاجتماعي والسياسي في المجتمع الإسرائيلي ليس منفصلاً عن عوامل ثلاثة تمجد القوة والعنف، وتُشكل الخلفية الثقافية لكل شريحة من شرائح المجتمع الإسرائيلي وهي:

طريقة َتشَكُل المجتمع الاستيطاني بالقوة، فالإسرائيلي تمرَّد على مجتمعه الأصلي الذي هاجر منه، واستخدم القوة للسيطرة على جغرافيا جديدة، ويمارس بقاءه من خلال دورات العنف مع السكان الأصليين وجيرانهم، بالإضافة إلى عاملين آخرين وهما: منظومة القيم الدينية التي تقوم على فكرة التفوّق، والإرث الغربي المبني في بعض أبعاده على المزاوجة بين قيم الصراع والقوة وبين قيم البراجماتية والنفعية، وهو البعد الذي يتواءم مع منظومة قيم المجتمعات الاستيطانية الإحلالية.

وقد قام الباحث بدراسة أربعة من أنماط الانحراف السائدة في المجتمع الاستيطاني الإسرائيلي، وهي: جرائم القتل والسرقة والاعتداء على الممتلكات وغيرها، والانحراف الجنسي، والمخدرات، والفساد. وخلص إلى أن العلاقة بين الجريمة الاجتماعية والجريمة السياسية تكمن في تشابك جذور كل منهما مع الآخر، فمجتمعات الاستعمار الاستيطاني الإحلالي التي تُعلي من قيمة القوة تبث هذه القيمة في جناحيها السياسي والاجتماعي.

كما اتضح أن نسب توزيع ضحايا الجريمة الاجتماعية، في الشرائح الروسية والإفريقية اليهودية والعربية، أعلى بشكل واضح من نسبة هذه الشرائح في إجمالي عدد السكان، وعند متابعة مستويات عدم الاستقرار السياسي تبين لنا أن هناك ارتفاعاً موازياً في هذا المؤشر مع الارتفاع في معدلات الجريمة الاجتماعية ضدّ الشرائح المذكورة، وتظهر هذه النتائج بشكل واضح في لغة التحريض (خصوصاً وسائل التواصل الاجتماعي) أو في توزيع الأصوات في الانتخابات بشكل يعكس استقطاباً سياسياً موازياً لاستقطاب ضحايا العنف الاجتماعي، وهي النتيجة التي تفسر ما سبق وأشار الباحث في ورقة علمية سابقة صادرة عن مركز الزيتونة بعنوان: "مستقبل "إسرائيل" في الدراسات المستقبلية غير العربية".

حول الموقع

سام برس