بقلم/ جميل مفرحبقلم/ جميل مفرح

ضعي الفنجان بالقرب مني..

فقط سأغفو لنصف قرن ريثما تبرد القهوة قليلاً، ثم أصحو لأشربها معتدلة الحرارة والمرارة..
فمي لم يعد قادراً على احتمال غليانك، أو تحريك البن المحمص أكثر من اللازم..
أتعلمين..؟

ورأسي أيضاً توقف عن الدوران منذ المرة الأولى لتجرُّدك من بقاياً الأنثى البسيطة التي أجدتِ ذات لحظة تقمُّصها.

لم أعد أستطيع التفريق بين ضوئك المزدان بالإشعاعات القاتلة ورائحة البن الملوثة بالبهارات.. ولا بين صوتك وانعكاسات البركة التي تدربنا فيها على السباحة وصيد الضفادع ومراقبة الحشرات وهي تتزاوج.

لم يعد يهمني ما إذا كانت تفاحة نيوتن خضراء أم حمراء.. ولم أعد أعنى بإجادة ربطة عنقي وخيوط حذائي الرياضي، وحتى شالك الفيروزي الذي سرق جناحيَّ طائر وحيد وحلق بهما بعيداً...
لحظة من فضلك.. أتذكرين..؟

مات الطائر برداناً، وغيرت الشمس، التي كنت تدعين امتلاكها، المعالم والفوهات في علبة رأسي، حزَّت بأسنانها الحادة حواف مخيلتي وأطراف قميصي حين طبعتِ عليه ملامحك المشوشة وعلاماتك الباهتة.
للتو فقط رأيتك بطرف واهٍ من ذاكرتي المجردة منك.. للتو انتبهت إلى أنك تقفين في الجوار بداخل امرأة باليةٍ لم أكن لأعرفها لولا أنك تسربت مرغمة كرائحة من مقبرتي عينيها.

رأيتك هناااااك بعيداً تقضمين بشرهٍ بنصري المفقود، وتعيدين النظر في المساحات والأبعاد المرتجلة بين أصابعي وظلالها المسروقة.. وتصعدين على قدمين مستعارتين، سلماً مرسوماً بالفحم إلى السماء..

رأيتك تمرغين أنفك في العرق الجاف منذ عشرين عاماً على صدغي المكان المهجور وفي إبطيه.. رأيتك تلمسين، بضراوة الجاحد، المسكن المغدور به، وتضعين أصابعك واحداً واحداً في عينيه.

رأيتك تنفثين، في بقايا العينين المرمودتين بالنسيان، العشرات من الأسماء الماسية الملساء.. وتهذين بخرافات امرأة عصرية تالفة أو أنثى منتهية الصلاحية.

رأيتك تضعين أذنك على حشرجةٍ قديمةٍ كنتُ قد نسيتها هناك؛ على هيكل لأحد الرفوف المدسوسة في الظلام.. ورأيتك تمضغين بقايا فرشاة أسنان تبادلنا عبرها المرارة الأولى.

رأيتك تلصقين وجهي على أحد الأبواب، وتعيدين مرة فأخرى مشهد تبديل ملابسك.. ملابسك الآن باهضة ووجهي ما يزال لا يساوي الابتسامة التي لم تعودي تذكرينها.

رأيتك تنبشين في الرماد الميت منذ قرون، بحثاً عن إصبعي المحروق، لربما تستطيعين إعادته إلى فمك مزيداً من الوقت ليبرد.. ثم تبصقين على الجمرة المسئولة عن رائحة الشواء.

رأيتك تطاردين، بدبوس شعرك اللامع، شوكة التين المختبئة بين أصابع القروي الصغير.. وتقلبين كفيك في جوف التنور المنطفئ منذ ما قبل التاريخ، رأيتك تبحثين عن شتاء ماطر آخر.

رأيتك تنصبين انحناءتك الكهلة (الفخ) أمام باب صغير كنت تعبرينه كأرنب جذلان لأطاردك.. وتضعين جبهتك على عارضة الأرجوحة لتري نفسك واقفة بقدميك الناعمتين الآن على كتفيَّ الضئيلين.

رأيتك تحدقين في إطار العجلة الصغير الذي كنت تنزلقين بداخله انزلاق إصبعك في أول خاتم حديدي أهديته إليك.. ثم تعودين لتنظري بابتسامة مهزومة إلى شيء لم يعد لائقاً به اسم منتصف.

رأيتك تنقرين، ببطاقة حسابك البنكي، الجدران المتهالكة، وتلعقين من عليها بقايا الأسماء المكتوبة بطلاء أظافر كلاسيكي، وتتلذذين بمذاقها المنكه بتراب أنامل أخرى؛ كنت تعشقين عضها والتغزل في مذاقها.

و.....، رأيتك أيضاً تدفعين ذاكرتك بتثاقل ممل، إلى مساحة عشوائية في الأمس، وتدحرجين عينيك باتجاه البكاء.. فقط لمجرد البكاء، أو لكي لا يقول المارة بالقرب من هذا التاريخ أنك لم تعودي تجيدين التذكر كما يجب.
#فواصلي

حول الموقع

سام برس