بقلم/ عدنان برجيبقلم/ عدنان برجي

لا يمكن قراءة اي حدث يتعلق بعلاقات الصين ودول غرب آسيا وشمال أفريقيا، بمعزل عن استراتيجيتها المعلنة، ذلك ان القيادة الصينية اثبتت التزامها الدقيق بهذه الاستراتيجية ، وبسهرها الدائم على تنفيذ مراحلها بدقة.

ذلك ما أكدّته تطورات قرن من الزمن، من انجاز للتحرير وطرد للاستعمار، ثم البناء الاقتصادي المذهل، والقضاء على الفقر في الوقت المحدد، والانتصار على جائحة كورونا في وقت قياسي.

في نهاية الشهر الماضي، جرى حدثان مهمّان في المنطقة: جولة عضو مجلس الدولة الصيني، وزير الخارجية السيد وانغ يي، التي شملت ست دول:( المملكة العربية السعودية،ودولة الامارات العربية ومملكة البحرين وسلطنة عمان وتركيا وايران) والاتفاق الصيني الإيراني بما يزيد على 450 مليار دولار وعلى مدى خمسة وعشرين عاما قادمة.

ليس سرًا ان مبادرة الحزام والطريق التي اعلنها الرئيس الصيني شي جينبنغ عام 2013 ، والتي اصبحت جزءا من الدستور الصيني منذ العام 2017 ، هي جزء اساس من الاستراتيجية الصينية في الوقت الراهن، وصولا الى العام 2049 حيث مئويّة الجمهورية الصينية الشعبية ، وفي ذلك التاريخ تتطلع الصين لأن تصبح “دولة اشتراكية حديثة قوية ومزدهرة وديمقراطية ومتحضرة ومتناغمة وجميلة” وفق تأكيد الرئيس الصيني في المؤتمرالتاسع عشر للحزب عام 2017.

وتحتل دول غرب آسيا وشمال افريقيا، موقعًا مهما بين دول الحزام والطريق، سواء كان ذلك عن طريق الممر البري أو الممر البحري، اذ ان لطريق الحرير ثلاثة أحزمة: الحزام الشمالي، والحزام الجنوبي، والحزام المركزي الذي يمتد من الصين عبر آسيا الوسطى الى غرب آسيا، والخليج العربي، والبحر المتوسط، وتركيا. وفي مجال الشبكة الفائقة، التي فيها ست شبكات كهربائية، هناك شبكة خاصة لغرب آسيا.

ان ذلك يعطي صورة عن موقع غرب آسيا وشمال افريقيا في مبادرة الحزام والطريق، التي تسير القيادة الصينية باتجاه تنفيذها ببطء لكن بثبات وإصرار. يساعدها في ذلك المتغيرات الدولية وانتهاء مرحلة القطب الواحد الأميركي.

لسنا بحاجة في هذه العجالة الى تقديم ايضاحات حول اهمية موقع غرب آسيا وشمال افريقيا اقتصاديًا وسياسيًا وجغرافيًا، فيكفي ان نشير الى انها تجاور ثماني بحار رئيسية، وتربط ثلاث قارات، وتشكل مع الصين اكثر من ربع سكان العالم. ولسنا بحاجة الى الحديث عن مركزية ايران على خطوط التواصل بين الصين ودول غرب آسيا لنفهم سبب ومصلحة كل من الصين وايران في عقد الاتفاق الاستراتيجي بينهما على مدى ربع قرن من الآن. يقول الدكتور خالد الهبّاس في افتتاح ندوة العلاقات العربيّة الصينيّة التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربيّة عام 2017 في بيروت:” تشكل الاعتبارات الاقتصاديّة والاستراتيجيّة عوامل مهمّة في التأثير في السياسة الخارجيّة للدول بشكل خاص ، وفي التوجهّات السياسية للقوى الكبرى بشكل عام”.

ان مبادرة وزير الخارجية الصيني وانغ يي التي أطلقها في الرياض بدعوته الى عقد مؤتمر حوار متعدّد الأطراف في الصين، بشأن الأمن الإقليمي في منطقة الخليج، انما هي تعبير عن حرص الصين على الاستقرار بين دول المنطقة من جهة، وبدء الانخراط السياسي الفعلي في المنطقة من جهة ثانية، وليس الاهتمام بالجانب الاقتصادي فقط. ما يعزّز هذه الفرضيّة هو حديث الوزير يي عن ضرورة العدل والانصاف في المنطقة ففي رأيه أن ” لا شيء يمثّل الانصاف والعدالة في الشرق الاوسط أكثر من حل سليم للقضية الفلسطينية وتنفيذ جاد لحل الدولتين” في تناقض واضح وصريح مع صفقة القرن التي سعى الرئيس السابق دونالد ترامب لضرب الحقوق الفلسطينية كاملة من خلالها.

كذلك فان طرح المبادرة الصينية تشي بأمرين مهمّين: الأول: ان الصين تنتهج نهجًا مغايرًا للنهج الأميركي فهي تدعو الى التهدئة والاستقرار، فيما الأميركيّون يسعون دومًا الى اثارة الأحقاد، وتكبير الضغائن، واثارة الحروب والنزاعات بين الدول العربية والدول الإقليمية المحيطة. أما الثاني فهو ان الصين ترد على اميركا التي تثير قضايا الإيغور من زاوية اسلامية بانها تنفتح على المملكة العربيّة السعودية، وباكستان، وإيران، وتركيا وجميعهاا دول اسلاميّة ذات تأثير ووزن كبيرين.

ان أهمية المبادرة الصينيّة في هذا التوقيت بالذات، انها تأتي في ظل متغيرّات دوليّة كبيرة،وفي ظل صراع أميركي – صيني – روسي متزايد. لكن التاريخ لا يعود الى الوراء فالتراجع الاميركي أصبح حقيقة قائمة، والصعود الصيني – الروسي بات حقيقة ملموسة.

ان المصلحة العربيّة تلتقي والسعي الصيني لاستقرر المنطقة، وإقامة علاقات حسن جوار مع الدول الإقليميّة (تركيا وايران)، ووضع حد للغطرسة الصهيونيّة.

* مدير المركز الوطني للدراسات/ لبنان

نقلاً عن موقع الصين بعيون عربية

حول الموقع

سام برس