بقلم/ سعدية مفرحبقلم/ سعدية مفرح

أن تكون "بدون" يعني أن تكون عصفورًا بلا ريش ولا أجنحة، ولكن لك طبع العصافير في توقها للطيران!

أن تكون "بدون" يعني أن تكون كرةَ قدمٍ تتقاذفك الأقدام وكلٌ يريد تسجيل هدفه بك، وعند انتهاء المباراة يهنئون الفائز ويواسون الخاسر.. وينسون الكرة.

أن تكون "بدون" يعني أن تكون ريشة في مهب كل الرياح التي مرت على أجدادك ثم آبائك وها هي تمر عليك ماضيةً نحو أبنائك وأحفادك! لا يهم كثيرا اتجاه تلك الريح ولا سرعتها.. أنت في مسارها مجرد ريشة لا مستقر لها!

أن تكون "بدون" يعني أن تكون الضحية المجني عليها والتي يعاملها الآخرون على أنها الجاني! الضحية التي ورثت قيودها، ومضت تعيش بما تركته لها تلك القيود الضيقة من مساحة محاولةً أن توفر قليلاً منها لمن سيرث القيود بعدها!

أن تكون "بدون" يعني أن يتلاشى بصرك تدرجياً، وينحني ظهرك شيئاً فشيئاً وأنت منكبٌ منذ الأزل على ركام الأوراق المهترئة أمامك، تفتش بينها عن كلمة، جملة، فقرة، صورة تدل على أنك كنت هنا، ولدت هنا، ومات أجدادك وآباؤك هنا، ودفنوا في قلب هذه الأرض التي لم تلفظهم لكنها ترفضك الآن وترفض أبناءك وأحفادك.

ما زلت تفتش بين الأوراق عن ورقة تشهد على انتمائك الذي يجري في عروقك دمًا وفي عينيك دمعًا وفي روحك وجدًا، ولكنهم لا يرونه، أو لعلهم لا يريدون رؤيته، فإن رأوه كان في عيونهم مجرد صدفة عابرة في متاهات الخرائط والحدود، لا تلزمهم بسوى العطف.. قليلًا!

أن تكون "بدون" يعني أن تشعر بحيرة قاتلة عندما يسألك طفلك عن معنى بدون، ومعنى وطن، ومعنى جنسية. تراوغه، لا لأنك لا تملك الإجابات الصحيحة، ولكن لأن تلك الإجابات لن تفضي به إلا إلى المزيد من التيه والأسئلة الجارحة.

سيكبر ذلك الطفل سريعًا، وسينخرط في دوامة الأسئلة الكثيرة في هذه الحياة. لكنه- دائمًا- سيعود لأسئلته الأولى، ليجدها بلا إجابات مقنعة، في ظل واقعه المهين لوجوده الإنساني كله!

أن تكون "بدون" يعني أن تتصرف كإنسان فائق التهذيب مع كل من تقابله في حياتك، حتى لَيتحول ذلك التهذيب إلى شيء من المجاملات التي لا تؤمن بها، بانتظار أن ينتهي بك الأمر وقد صرت مسخًا للنفاق، وإلا فأنت مشروع تهمة تمشي على قدمين في طريق موحش، لا يلوح في نهايته سوى حبل معلق على شكل مشنقة.

أن تكون "بدون" يعني أن تتمسك بذلك اللحاف المهترئ الذي امتلكه جدك وأورثه أباك، وها هو بين يديك الآن، ترتّق ما به من ثقوب تكاثرت على مر السنين، لتورثه ابنك مصحوبًا بتلك الحكمة الخالدة: مد لحافك على قدر رجليك! لا.. لا تعترض إن كانت رجلاك طويلتين مثلًا، فأنت فقط تستطيع أن تقص الزائد منهما، وإياك.. إياك أن تحلم بمدهما بما يتجاوز لحاف جدك العزيز!

أن تكون "بدون" يعني أن تبقى كذلك دائمًا، حتى لو هاجرت وسافرت وعدت حاملًا لجنسية أخرى.

لن يقولوا أصبح أمريكيًا أو كنديًا او أستراليًا.. على سبيل المثال، بل ستبقى كما كنت منذ البدء؛ بدون.. وربما أضافوا لها كلمة أخرى لتصبح؛ بدون سابق!

أن تكون "بدون" يعني أنك بدون إلى الأبد، فحتى لو حصلت- بضربة حظ أو لحظة عدالة عابرة- على جنسية وطنك التي عشت عمرك كله تحلم بالحصول عليها، ستكون بنظرهم ساعتها؛ كان بدون!

أن تكون "بدون" يعني أن تبقى بدون حتى وإن ابتسم لك الحظ واستطعت الحصول على وثيقة سفر محدودة الصلاحيات، وسافرت.

عليك- مثلًا- أن تتحمل النظرات المشككة لموظفي الجوازات في كل مطارات العالم، وهم يتداولون الأمر بينهم، بينما يتفحصون وثيقة سفرك الغريبة، والتي ربما لم تمر عليهم من قبل!

عليك أن تتقبل برضا وهدوء ابتسامة الموظف المعدنية وهو يأمرك أن تنزوي قليلًا، ريثما ينتهي من الآخرين حتى يتفرغ لأمرك الغريب ووثيقة سفرك الأغرب!

عليك، إلى أن يتم ذلك، أن تتحمل نظرات المسافرين المرتابة، وتساؤلات من بقي معك طوال الرحلة وهو يحادثك باعتبارك مثله ليكتشف أنك مجرد بدون!

أن تكون "بدون" يعني أن تكون مستباحًا لكل أنواع الأسئلة، ممن تعرفه ومن لا تعرفه: ابن من؟ أين ولدت؟ لماذا لم يحصل جدك على الجنسية؟ كيف تعيش بلا مصدر رزق؟ لماذا لم تتزوج؟ كيف تزوجت؟ هل من الضروري أن تنجب هذا العدد من الأطفال؟ لماذا أنت مصر على البقاء بيننا؟ لماذا لا تهاجر؟ لماذا لا تعود إلى موطن أجدادك قبل مائة عام؟.. ولا تجتهد كثيراً في ابتكار الإجابات المثالية.. فلن يقبلوا بها مهما بلغ اجتهادك فيها! ستكون درجتك في امتحانهم دائمًا.. صفرًا!

أن تكون "بدون" يعني أن تكون ممتنًا لكل من يؤمن بحقك في الحياة، فإن نسيت أو تناسيت أو جهلت أو تجاهلت ستصبح حينها عاقًا ناكرًا للمعروف.

أنت مطالبٌ دائمًا بتقديم آيات الشكر وعبارات الامتنان لكل من يؤمن بحقك في الحياة ويساعدك في المطالبة بذلك الحق وإن كان بالصمت وحده.

أن تكون "بدون" وتعمل، لسبب خارج عن المعتاد، بوظيفة محترمة وراتب جيد ولا تشتكي، فإن ذلك يحتم عليك أن تسبّح صبحًا وعشية بفضل الجميع عليك، وأن تتناسى ما بذلته من جهد جبار وما حفرته من صخر صلد وما دفعته من ضرائب كبيرة جدّا في حياتك كلها لتكون ما أنت عليه الآن!

أن تكون "بدون" يعني أن تمشي دائمًا مدجّجًا بمليون ورقة وورقة- ليس من بينها الورقة المطلوبة- عندما تقف في مخفر أو مكتب بريد او استقبال بنك أو مكتب سكرتيرة مدرسة أو شباك صيدلية في مستوصف!

أن تكون "بدون" يعني أنك مطالب بألّا تصدق أي علاقة إنسانية حميمة قد تنشأ بينك وبين آخر يحمل الورقة السحرية التي لا تحملها، فمهما كان الحب، لن يخلو من الظنون بأنك تستغل ورقته وأنه يستغل حاجتك إليها!


أن تكون "بدون" يعني أن عليك حفظ كل الحكم والأقوال المأثورة حول الصبر ومفاتيحه، لتدلقها كفطور صباحي على سفرة أبنائك لعلهم يستطيعون مواجهة شراسة الشارع بها!

أن تكون "بدون" يعني أنك تولد في الخمسين من عمرك، فلا تحلم أن تكون طفلاً كالأطفال ولا مراهقًا كالمراهقين ولا شابًا كالشباب. أنت رجلٌ فقط، أو امرأة في الخمسين من العمر تنوء بحكمة السنين ومشكلات الحياة والتفكير بمصائر الأبناء وتخيل الرعب في ما ينتظرك غدًا، فلا ينبغي عليك أن تخطئ كالصغار ولا أن تتهور كالمراهقين ولا أن تعبث كالشباب. تذكّر دائمًا أنك "بدون" في الخمسين من عمرك!


أن تكون "بدون"، يعني أنك غيمة في سماء متخيلة، أو نملة تسحقها أقدامهم، أو نهرًا أوقفت مجراه سدودهم ليتعفّن، أو كلمة لا محل لها من الإعراب في جملة الوطن!

نقلاً عن بلاتفورم

حول الموقع

سام برس