بقلم/ جميل مفرحبقلم/ جميل مفرح

أمريكا هي البلد الوحيد الذي لم يظهر وللمرة الأولى تقريباً سياسة الاحتواء ومحاولة تفتيت الأزمة الروسية/الأوكرانية بل على العكس تبدو وكأنها البلد الوحيد الذي يعمل بكل جهوده على تصعيد الأزمة الروسية الأوكرانية، وكأنما عليه بالضرورة أن ينفذ عملاً انتقامياً موجعاً، أياً كانت خساراته ونتائجه..!!

تعيش الولايات المتحدة الأمريكية حالياً حالة نادرة من التخبط السياسي والاستراتيجي، مع أنها تعلم جيداً أن ذلك لن يتلافى خسارتها الانفراد بتسيد العالم كونها قطباً أوحد تسيد العالم طوال أكثر من ثلاثين عاماً.

أخيراً تخلى الأمريكيون عن أساليب الكياسة والمداهنة السياسية والضرب عن بعد وبأيادي الآخرين كما هو معهود منهم.. اعتقدوا أنهم ما يزالون بخير وأن بإمكانهم الإطاحة بروسيا وببوتين وبالروبل عبر أوروبا والناتو وأوكرانيا، ليجدوا أنفسهم أمام اختبار ربما هو الأصعب منذ تفكك الاتحاد السوفيتي..

لقد أيقنت الولايات المتحدة الأمريكية بكونها أقدمت على لعبة أكبر مما كان في تصورها، راهنت بأوراق كانت تعتقد أنها الأكبر فئة في هذه اللعبة، ولكنها اكتشفت متأخرة أن في يد الطرف المعني والمستهدف ورق لعب من فئات أكبر وذات ضمانات أكثر نفاذاً في العظم..

وأياً كانت نتائج هذه الأزمة، وإن تضمنت حتى هزيمة للخصم العنيد بوتين، فقد وقع الفاس في راس الدولة التي كانت عظمى.. وأثبتت التكتلات والتحالفات المستجدة خلال هذه الأزمة، والتي تنذر الغرب بتصاعد لا تراجع فيه، أن العالم بعد هذا المنحنى/المغامرة لن يكون كما كان قبله.. ولن يبقى رهن إرادة وإدارة القطب الواحد كما كان عليه..

أمريكاً باتت تدرك ذلك جيداً، ولكنه إدراك متأخر، ولم يعد بيدها غير أن تلعب على المكشوف معرية أوراقها وفاضحةً سياساتها المراوغة التي كثيراً ما تحامت بها وتعكزت عليها لمصادرة القرار العالمي سياسياً واستراتيجياً واقتصادياً.. لقد وجدت نفسها هذه المرة في مواجهة مباشرة مع الدب الروسي دون حواجز أو سواتر يمكن التحامي بها من مخالبه..

وذلك بطبيعة الحال ما قادها إلى ما تعيشه اليوم من تخبط ربما بل من المؤكد أنه سيفقدها قدراً كبيراً من سطوتها العالمية ونسبة كبيرة جداً من تحالفاتها في مختلف أجزاء العالم، الذي بدأ منذ اللحظة، وإن لم يكن في الظاهر المتعجل، في إعادة التشكل والتموضع السياسي والاستراتيجي.

حول الموقع

سام برس