الدكتور / علي أحمد الديلمي
تتحرك الشرعية اليمنية في هذه المرحلة بطريقة تعكس سعيها لإعادة رسم المشهد السياسي بعد التغيرات الكبيرة التي أحدثها سيطرة المجلس الانتقالي على كامل الجنوب حيث اتجهت نحو نقل عمل مؤسسات الدولة إلى السعودية بصورة توحي بأن مركز القرار لم يعد مستقرا داخل اليمن بل بات يعمل من خارج الحدود وهذه الخطوة لم تكن تنظيمية بقدر ما كانت سياسية تهدف إلى إرباك الانتقالي وإظهار الشرعية كقوة ما زالت تتحكم بالمشهد رغم غيابها عن الأرض وهو ما أنتج حالة واسعة من الارتباك لدى الشارع وأوجد فجوة بين الواقع في الجنوب والخطاب الرسمي للشرعية التي تحاول تثبيت نفسها كممثل وحيد للدولة في مواجهة صعود قوى محلية جديدة
أمام هذا التحول الجذري يجد المجلس الانتقالي نفسه في قلب معادلة جديدة تحاول فيها الشرعية والإخوان إعادة التموضع إذ يقف الانتقالي بين خيار إعلان الدولة الجنوبية بما يحمله من تبعات إقليمية ودولية معقدة وخيار الاستمرار كسلطة أمر واقع عبر تشكيل حكومة موازية تدير الجنوب من الداخل وهو خيار يمنحه قدرة تنفيذية لكنه يبقيه في منطقة سياسية رمادية وبين هذين المسارين تعمل القوى المناوئة للانتقالي على استثمار الانقسام لإضعاف حضوره وإقناع الأطراف الخارجية بأنه لا يمثل الجنوب بأكمله مما يجعل الصراع على الجنوب مفتوحا على احتمالات متعددة
وفي المقابل يتحرك الإخوان المسلمون في اليمن عبر حزب الإصلاح في مساحة سياسية حساسة يحاول فيها الحزب استعادة موقعه بعد تراجع نفوذه في السنوات الأخيرة إذ يسعى إلى تقديم نفسه كقوة قادرة على موازنة الانتقالي وإعادة ترتيب خيارات الشرعية خصوصا باتجاه السعودية التي تبحث عن شركاء يمكن التعاطي معهم ضمن مشروع إعادة تشكيل اليمن سياسيا ويعمل الإصلاح على منع الانتقالي من احتكار الجنوب وعلى تسويق نفسه كطرف منظم يمتلك خبرة سياسية لكنه يواجه تحديات تتعلق بتراجع الثقة الشعبية وبصورة سلبية تراكمت حول دوره في إدارة المرحلة الماضية
وفي الشمال تنظر صنعاء إلى هذه التحولات على أنها فرصة تاريخية لتعزيز موقعها السياسي مستندة إلى الاتفاق الإيراني الصيني السعودي الذي يمنحها مساحة أوسع لتحويل مكاسبها العسكرية إلى مكاسب سياسية واقتصادية إذا استطاعت موازنة علاقاتها مع الصين والسعودية وإيران بصورة تحفظ لها دورا مركزيا في مستقبل اليمن كما تسعى إلى استثمار حالة الانقسام في الجنوب والارتباك داخل الشرعية لدفع الأمم المتحدة للاعتراف بها طرفا رئيسيا في أي تسوية بما يفتح أمامها أبواب الإعمار ويمنحها قدرة أكبر على إعادة تأهيل الموانئ ومسارات التجارة بما يرسخ نفوذها ويعزز حضورها الإقليمي
وفي استشراف مستقبل اليمن تبدو البلاد متجهة نحو مرحلة طويلة من إعادة التشكيل السياسي حيث تسعى الشرعية ومعها الإخوان إلى الحفاظ على نفوذ قابل للاستمرار بينما يحاول الانتقالي تثبيت سلطته على الأرض وتعمل صنعاء على توسيع مكاسبها مستفيدة من التوازنات الإقليمية الجديدة وفي ظل استمرار التدخلات الخارجية وتعدد المشاريع المحلية قد تشهد البلاد نشوء واقع يقوم على مراكز نفوذ متوازية دون قدرة لأي طرف على فرض حسم كامل ما لم تتبلور معادلة وطنية جديدة قادرة على جمع القوى في إطار جامع يعيد بناء الدولة ويفتح أمام اليمنيين أفقا لمستقبل مستقر تتراجع فيه صراعات النفوذ لصالح مشروع وطني يعيد لليمن توازنه ودوره داخل محيطه العربي والإقليمي



























