بقلم / عادل حويس
في لحظات التحول التاريخي الكبرى تتساقط الأقنعة وتتمايز الصفوف وتتحول الكلمات من مجرد حبر على ورق إلى مرايا عاكسة لجوهر الأوطان حينها يدرك العارفون أن السيادة ليست حروفا تباع وتشترى في سوق المواقف المجانية ولا هي صك تملك توقعه أيد ترتعش خلف مكاتب الوهم السياسي بل هي طهر جسد وطني مقدس يأبى أن تستباح أقماره وسيادته ممن لا يعرفون في قاموسهم معنى الانتماء الحقيقي. واليوم تبدو الساحة أشبه بمواجهة كبرى بين منطقين: منطق من يظن الأوطان أوراقا تقايض في مزاد المصالح الإقليمية والدولية ومنطق من يرى التراب امتدادا للكرامة الإنسانية التي لا تقبل التفاوض أو النقصان.
ومن يمعن النظر في جنوب لبنان جنوب المجد والصمود حيث تمتزج بنادق الشرفاء بزهر الليمون الفواح يدرك أن ثمة رجالا من طراز فريد لا يقرأون الخرائط بأعين السفارات الأجنبية ولا ينتظرون إملاءاتها بل يكتبون حدود الوطن وجغرافيته بدماء الشهداء الزكية التي سالت مدرارة كي لا تحنى الجباه أمام غاصب.
هناك في تلك البقاع الطاهرة من الجنوب اللبناني يتحول الصمت إلى صخب مزمجر في وجه الظلم ويقف جبل كبرياء النبيه شامخا ليعلن الحقيقة الناصعة في وجه الرياح العاتية: لن تمر شروط العابثين ولن ينال أحد من عزة هذه الأرض مهما بلغت التضحيات.
إنها مفارقة عجيبة تصدم المتابع فبينما غرق البعض في حسابات الربح والخسارة الضيقة واستمرأ آخرون البرود والجلوس في قاعات الانتظار كان هناك في الجنوب من يخط بأرواحه فلسفة الفداء لأجل الإنسانية وكرامة العيش وواهم جدا من يعتقد أن دم الشهيد يمكن أن يكون يوما جسرا لصفقات مشبوهة أو تنازلات مهينة إذ عبثا يحاول المتعبدون في محاريب الوصاية ترويض الإرادة الحرة فكلما همست عواصم التهجير والعدوان بغطرستها جاء جواب الأرض من جنوب لبنان حاسما كحد السيف قاطعا لكل شك: إما سماء حرة يحلق فيها الشرفاء وبحر يعرف أهله وهويته وبر يلفظ الغزاة الطامعين أو ليقل الميدان كلمته الأخيرة والفيصل فالنصر الحقيقي لا يستجدى أبدا على أعتاب الطغاة بل يصنع بصبر وثبات وسلاح الكرامة الذي ما زال يحرس الأحلام المشتهاة.
وعندما يتحدث الغرباء وأدواتهم بلسان الوطن تلتوي المفاهيم وتتغير الحقائق في عيون المتخاذلين فتصير العمالة في نظرهم منطقا دبلوماسيا والمقاومة عبئا لكن التاريخ الذي لا يرحم الخانعين والتراب المنجب للأبطال يرفضان قطعا لغة المنكسرين والمستسلمين.
هنا لبنان العصي على الانكسار والتطويع ليس مجرد لعبة في مهب الرياح السياسية العابرة بل هو نبض شعب يعاف الخضوع بطبعه وجيش شريف يمضي نحو الشهادة والواجب بصدر عار وعزيمة لا تلين ورجال يحملون عهد نصر الله في قلوبهم وعقولهم نورا مستداما لا ينطفئ ويقينا لا يتبدد بأن الأرض لأهلها الصادقين في جنوبها المقاوم كما في كل شبر منها.
إنها معركة الهوية والوجود في أسمى تجلياتها إما سيادة تفيض عزة وشموخا لا تقبل التجزئة أو النقصان وإما صدمة الحقيقة المدوية التي سيزجر بها الميدان كل من باع سماءه وأرضه لأعادي الحياة والحرية.
وأمام هذا المشهد المتكامل بفصوله تظل الكلمة الفصل لما يسطره الشرفاء بدمائهم وثباتهم في ساحات الشرف على أرض الجنوب لأن العاقبة في كتاب التاريخ والسنن الكونية دوما تبتسم لمن ربطوا قلوبهم باليقين ورفضوا أن يساوموا على ذرة تراب واحدة من وطن الأنبياء والشهداء.


























