بهاء الخزفيات وأعمال في أناقة فنية و رشاقة جمالية و رفعة الخطاب في الأشكال..

رغبات شتى منها رغبات الفنانة و هي تدعك طين شؤونها و شجونها نحتا للممكن و للقيمة..

كالطفولة الأولى يمضي الفن بكثير من براءة الأشياء و الأفعال حيث الاقامة في الحلم ضمن حالات من النظر بعين القلب لا بعين الوجه..انها فكرة السفر الدفين الى عوالم من الدهشة هي بمثابة الترجمان للدواخل و شواسع الأحوال..و هل ثمة أحوال خارج أرض الفنان هذا الناظر تجاه ذاته و الآخرين معلنا نشيده العالي تجاه الخراب ...الفن الماعة باذخة قبالة لعبة السقوط المدوي للقيمة..للانسان..و للجميل الكامن في هذه الذات الأمارة بالابداع و العلو و التحليق عاليا مثل طيور من ذهب الأزمنة..

الفن عناوين و تلوينات شتى تذهب بالمهج تقول ببلاغة الأشياء..نعم العناصر تشكل هيئاتها على ايقاع الرغبات.. رغبات شتى منها رغبات الفنان و هو يدعك طين شؤونه و شجونه نحتا للممكن و للقيمة و لما به تستقيم الكائنات منشدة حلمها الموعودفي فخار هائل.

انها لعبة التشكيل تبتكر تواصلها و ايقاعها و خطابها و تشير الى الآفاق تعلي من شأن الكائن و هو يعدد رؤاه و هنا نعني هذا الدأب في كون الفن الشفاف الذي يمضي اليه الفنان و في قلبه شيء من خزف الحال..

هكذا نسافر ببهاء و بذخ في عوالم فنانة تشكيلية رأت في الفن لون قول بالذات و ضربا من البوح و حيزا من شجن الكينونة ..هي المعانقة لفكرة حالها في حلها الفني و ترحالها الجمالي ..تجوب شوارع الروح تبتكر أشكالها في نهج من التشكيل الخزفي لتضعنا أمام النور..نسيج آخر في تجريدية أنيقة فكأننا أمام بانوراما من بقايا فعل الأنامل في طين مدعوك يقول شهقاته..ترسل النظر و تعيد فعل ذلك تجاه مختلف الأعمال لتلمح ما يشبه الوميض..انها أصوات الطين و موسيقى الأشكال ...و وميض الخزف..

نعم الخزف يقول ايقاعه هنا و هو ايقاع الفنانة أسماء عبد اللاوي الفنانة التشكيلية و الدكتورة في مجالها العلمي و البحثي الذي انتهى بها الى كون مفتوح من البحث و الدأب..الفن دأب و طريق غير آمنة اذا تخير الفنان المغامرة و الذهاب خارج المألوف و المعهود..أسماء عبد اللاوي تخيرت تقديم حيز من أعمالها و منجزها الفني وفق عنوان هو " وميض الخزف " و ذلك ضمن معرض شخصي متواصل بقاعة علي القرماسي بالعاصمة ..هذا المعرض يأتي بعد مشاركات وطنية و دولية في معارض و عدد التظاهرات التشكيلية بين البيانال و السمبوزيوم و المهرجان على غرار مهرجانات دولية بالمحرس و سطيف و خنشلة بالجزائر..هذا المعرض زاره عدد من الفنانين و النقاد و الجامعيين و أحباء الفنون الجميلة لنذكر الحبيب بيدة و سامي بن عامر و علي الزنايدي و محمد المالكي و أصدقاء الفنانة الدكتورة أسماء عبد اللاوي.

17 عملا فنيا ازدانت بتوهجها قاعة علي القرماسي و من العناوين نذكر " جذع من معدن و رأس من نار " و " امرأة النار " و " فتوحات " و " حضن اللون " و " تلاحم " و " توهج " و " تشابك " و " عنقود الضوء " و " ملاحم " ...كل ذلك بتقنيات متعددة منها تقنية الفقاعات و مع بريق متنوع مع الأكاسيد و الرصاص و تنوع تلويني..
أعمال غاية في الأناقة الفنية تأخذك الى بهاء الخزفيات و رفعة الخطاب في الأشكال التي كأنها تقول شيئا من ذات الفنانة أسماء في ايقاعات مختلفة يجمع بينها ما هو رشيق في قول جمالي عملت لسنوات على تضمينه في عملها الورشوي و تصورها الفني و حلمها بالنزوع نحو المختلف..انه الفن يسائل ذات الفنانة و هي تخط طريقها بين حالات فنية متعددة ديدنها العلامة و الخصوصية.

تجربة تعي فكرة حالها لتمضي بها في كون تلفه نمطية الأشكال و الألوان لتكون لحظة الوميض بمثابة الرجة المضيئة تستنهض الذات و الكائن عموما للمضي باتجاه النور...و النور هنا عند أسماء يشي بالحرية..حرية الشكل و بلاغة التشكيل .
معرض مهم يستدعي التوقف عنده تأملا و تأويلا و قراءة عميقة فنحن ازاء فعل تشكيلي دال من حيث الأسلوب و الفكرة و الخيط الناظم ..عنوان دال أيضا .." وميض الخزف ".. نور الدواخل و ما يعتمل في كيان الفنانة التي تواصل هذا النهج بوعي حالم و رغبة فيها الكثير من أسرار الفكرة الخزفية الناعمة.

هذا معرض فردي في فنون الخزف و تقنياته لأستاذة الفنون التشكيلية أسماء عبد اللاوي المتحصلة على شهادة الدكتوراه بالمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس يقترح على جمهور الفنون و رواد قاعة علي القرماسي منحوتات خزفية بقياسات و أحجام مختلفة و متفاوتة مصحوبة بجميع محاملها ..

عن هذا المعرض الهام تقول الفنانة أسماء عبد اللاوي " ...في معرضي هذا الّذي يضمّ مجموعة من الأعمال الخزفيّة المتنوّعة بين منحوت وسطوح ناتئة، أسعى إلى مواصلة البحوث الّتي قمت بها وأنجزتها في بحثيّ الأكاديمييّن رسالة الماجستير أطروحة الدّكتوراه. ما زالت تلك الهواجس الّتي تحملني إلى الذّاكرة تدفع بي صوب إعلان التّحدّي الكبير الّذي يسكنني. تحدّ واجهه الخزاف القديم ويواجهه الخزّاف الحديث والمعاصر. هو تحدّ السّؤال عن ماذا يمكنني أن أفعل بطينة لزجة، لا تكاد تحتمل التّفتّت حين تجفّ، فأسوّي منها جحما كبيرا حجما يتجاوز حجمي أحيانا أو يوازيه طولا وامتدادا؟ وكيف تكتسي القطعة بطلاء مختلف يعلن حضورها الطّبيعي في اصطناع عجيب ومحبّب لكلّ مبدع صانع؟..وتواصلا مع ما أنجزته في مغامرتي الماجستير والدّكتوراه من أعمال تشكيليّة تستمدّ أصولها من محاورة شكل شوكة نبتة الصّبار ارتأيت أن تكون أعمالي هذه نابعة من نفس التّحدّي التّقني والتّشكيلي. وحيث أنّني قمت بإنجاز أعمال صغيرة الحجم وكرويّة الشّكل تنطلق منها الشّوكات والشّويكات معا في تجربة الماجستير في بحث عن الشّكل والتّنويع على طرق توظيفه، وبما أنّني واصلت مع نفس الشّكل بروح جديدة في مبحث رسالة الدّكتوراه في الفنون التّشكيليّة، فأنتجت أشكالا ضخمة تتكوّن من أكثر من قطعة ونوّعت عليها وخلقت منها سلاسل تشكيليّة عديدة، رأيت أن أواصل في البحث التّشكيلي منطلقة ممّا تكوّن لديّ من خبرة .. تأتي هذه الخبرات في التّشكيل عبر الصّفائح والحبال الطينيّة لتعطيني الرّوح الانتصاريّة في التّحدّي، فأضيف لسلاسل أعمالي السّابقة سلاسل جديدة تتّصل معها من حيث المنهجيّة والمسار وتختلف عنها ومعها من حيث نوعيّة المقترح ومنطلقاته الشّكليّة وكذلك مقترحاته اللّونيّة. في هذا الإطار تتنزّل أعمال هذا المعرض والّتي تنقسم إلى ثلاث مجموعات هي بمثابة السلاسل. 1مجموعة أولى من الأعمال المحجّمة والّتي تنبني على التّفجيج بخلق الفتحات في جسم الطّبقة الطينية إلى درجة يصير فيها الفراغ أكبر نسبة من الامتلاء وبالتالي تصير القطعة الحجمية الكبيرة إلى حجم مفتوح من جوانبه العديدة. هي فتحات للتّهوئة وللإضاءة، لأنّها لن تترك الحجم حجما كاملا، بل تكتفي بالقليل الّذي يفي بحاجة الحفاظ على بنية الحجم.

إنّه خزف الهشاشة والمغامرة يقوم على المجازفة والمخاطرة في نفس الوقت. مجموعة من الأشكال الحجمية الكبيرة –المهوّءة والهشّة، تلك الّتي يصعب الحفاظ عليها أثناء جفافها وقبل افرانها. كما لو أنّها مشرّبية من الخزف المطليّ، الّذي يساهم بريقه المعدني في فيضان نوره المشعّ من الدّاخل ومن الخارج ومن جميع الأرجاء.

أعمال بمثابة الفوانيس الضّخمة، غير أنّها ليست فوانيس ولا شموس، هي طين رهيف وهشّ متماسك.2مجموعة ثانية من الأعمال الّتي تجمع بين أشكال آدميّة وأخرى مضافة إليها، أشكال أنطروبومرفيّة ترحل بنا إلى الحضارات القديمة كالفينيّقيّة والبونيقيّة تحوّل شكل جسد المرأة من منحوت على آنية للجمال. هنا يتكامل الحاو والمحتو وينتصب النّحتي منحوتا في الطّين وبالطّين. أعمال أردت بها استنطاق جسد المرأة وإضافة العناصر الشّكليّة من الخزف من أجل بناء تشكيليّ يعطي لعلاقة الطّين المرن والطّيع بجسد المرأة فرصة التّشكّل بمثل ما فعل بيكاسو وقبله خزّافو الحضارات الأولى. تجربة في الحجم وفي الطلاءات المعدنيّة المضيئة ببريقها وبتفاعلات المادّة على صفحة الخزف المتشكّل كائنات حيّة تخرج من ماء وطين.3مجموعة ثالثة من النتوءات البارزة استعيد فيها تشكّلات الشّوحة في تربيعات تتكرّر بالاختلاف فهي تتشابه ولا تتطابق. تأخذ من بعضها ولا تتساوى.

تنويع مسترسل ومتواصل إلى ما لا نهاية على الوحدة (matrice) الّتي هي في أصل الخلق مع اختلافات طفيفة وأحيانا جذريّة وما من تتطابق أو استنساخ غير نسق العمل الّذي بمحتواه وبتكرّر الحركات والعمليات التّقنيّة تعطي نتاجا متقاربا ومتجانسا، إذ ليس المطابق هو ذات الشّيء. من تكرّر أشكال الشّوكة إلى تكرّر الأشكال المصاغة بالحبال الطّينيّة أسعى إلى خلق ماطورة ناتئة، لا تحتوي خصوصيّات الخزف الحائطيّ المصنوع من نفس المربّعات الخزفيّة كما لا تحتوي خصوصيّات الفنّ العربي الإسلامي. إنّها فرصة لبناء التّشابك على السّطح. فرصة لتشكيل الظّفيرة دون أن نظفر أو نتكلّف الفعل.

احتكم هنا إلى الفعل وإرادة القيام بذات الفعل ومعاودته وتكراره مع الإيمان بالاختلاف. اختلاف. إنّه الاختلاف الجوهري الّذي نتلمّسه في الطّبيعة ونعاينه في الخلق المتواصل لنفس الجنس ولنفس الكائن. نطلّ هنا على الحياة والوجود ونعترف بأنّنا نتعلّم من الطّبيعة ولكنّنا نظيف لها ونختلف عنها كما نحن منها وإليها، نشبهها وتشبهنا ونسير بالتّوازي معا...فكرة الوحدة المتكرّرة أو المعادة ولو بشكل آخر فكرة تغري الإنسان كما أغرت الطبيعة وتثري وتغني التّجربة، لذا اعتمدتها لتأصيل فكرة العمل المتواصل من أجل الابتكار الفنّي....في هذا المعرض تجلّيات لخبرات سابقة ولاكتشافات آنيّة يسمح بها الطّين وشغل الخزف كما يسمح بها العلم ولكن يعمل من أجلها الإنسان والفنّان. ترسّبات في الّذات تحرّك بعث الحياة في الطّين عبر الالتفاف على البداية وجعلها بداية متواصلة ومتكرّرة لأنّنا أردنا الفعل وبما أنّنا أردناه هو .... يتدرّج إلينا ليعطينا قوّته ونبضه وحياة أشكالنا. من هنا ينطلق الإيقاع الشّكلي ليترجم قيم الإيقاع الكوني في حياة الإنسان. ومن هذه القطع يخرج ضوء هو وميض الحياة، أو بالأحرى وميض الخزف في سمفونيّة البريق وإيقاع الضّوء...".

معرض و تجربة و استعادة شؤون و شجون اللاعب بالطين و نعني الخزاف..و هنا نحن تجاه خزافة استلهمت مما مضى كل ما هو فني و جمالي و انساني وجداني في علاقة الانسان بالخزفيات و اقتراحاتها المبتكرة و المحيلة الى الدهشة..معرض و أعمال فنية تضعنا بها أسماء عبد اللاوي في حقول من الدهشة و ...النشيد..نشيد الطين القديم الملون بالآني المحفوف بالسؤال..الفن في جوهره سؤال ..بل أسئلة مفتوحة تبرز كالبرق في وميضه.

حول الموقع

سام برس