عرض الخميس مهرجان كان السينمائي في مسابقته الرسمية الفيلم المغربي "علِّي صوتك" (أنغام كازابلانكا) للمخرج المغربي المثير للجدل دائما نبيل عيوش الذي صعد مع زوجته مريم التوزاني وفريق الفيلم درج البساط الأحمر.

فيلم عيوش الجديد هو أول فيلم يمثل المغرب في المسابقة الرسمية منذ العام 1962. شارك نبيل عيوش من قبل في مهرجان كان بفيلمي "خيل الله" في مسابقة نظرة خاصة عام 2012 و"الزين اللي فيك" في مسابقة أسبوعي المخرجين عام 2015.

في "أنغام كازابلانكا" يواصل نبيل عيوش دراسته المعمقة للمجتمع المغربي بكل فئاته، حيث يغوص بنا في أعماق مدينة الدار البيضاء وتحديدا في حيها الشعبي الفقير سيدي مومن، ليرسم لنا لوحة متناغمة تصور كل أطياف سكانه من سلفيين إلى أشخاص عاديين ولكن محافظين وملتزمين بتقاليدهم وتقاليد مجتمعهم، ليركز عين كاميرته في النهاية وطوال الفيلم من بعد على ذلك الجيل الشاب من الفتيات والفتيان الذين يمثلون البراعم المتفتحة وسط تلك البيئة التي تسحق الجميع بتراتبيتها وهيراركيتها القاسية، فالآباء يمارسون سطوتهم على أبنائهم والأخوة على أخواتهم والشيوخ على جموع المؤمنين.

يحاول أن ينقل لنا عيوش صورة مخلصة للوضع والظروف التي يمر بها جيل جديد من الشباب ولد منفتحا على العالم رغما عنه، فوسائل التواصل الاجتماعي تحيط به من كل جانب، وأخبار الدنيا كلها تأتي إلى بابه رغم إرادته، فيجد نفسه حائرا بين مجتمع تجمدت وتكلست فيه التقاليد والأخلاق والدين والسياسة وعالم يدفعه إلى الأمام وإلى الحرية فلا يجد لنفسه مخرجا إلا بالثورة والتمرد على واقعه.

ولكن الثورة والتمرد تحتاج دائما إلى من يشعل الفتيل، وهو ما قدمه عيوش في صورة مدرس الموسيقى الجديد بالمركز الثقافي في حي سيدي مومن. ذلك المدرس الذي نقش على هيكل سيارته كلمة واحدة بالجرافيتي هي "حرية". لا يقدم لنا السيناريو الكثير من المعلومات عن هذا الوافد الجديد إلى المنطقة إلا بعض الشذرات والنتف من وقت لآخر لنفهم أنه كان مغني راب هو الآخر وهجر فنه لأسباب يمكننا أن نحزرها من تطورات الأحداث في الفيلم.

يبث مدرس الموسيقى الحياة من جديد في صالة الغناء والرقص في المركز، ولا يكتفي بذلك بل يتحول فصله إلى ساحة نقاش بين جميع تلاميذه الذين يريدون "إسماع صوتهم" لمن حولهم، فيجدون في فصوله متنفسا للحرية وعلاجا للإحباط الذي يحاصرهم في كل مكان بدءا من أسرهم نفسها وانتهاءً إلى الشارع والمسجد وحتى المركز الثقافي نفسه.

ينقل عيوش بحيادية يحسد عليها ذلك الصراع المحتدم في نفوس هؤلاء الشباب، فهم يطرحون أسئلة وجودية صعبة في السياسة والدين والحب والأخلاق، ويساعدهم مدرسهم ويدفعهم للوصول إلى أقصى الحدود الممكنة فهذا شرط مهم من شروط الراب والرقص: أن تكون نفسك وأن تعبر عن همومك ومشاعرك بحرية دون أن تلقي بالا إلى من يريدون أن يضعوا العصا في العجلة ويوقفون رحلة بحثك عن ذاتك.

يواجه عيوش عبر هذا الشباب الذي يفيض طاقة وحيوية ورغبة في الحرية كل المظاهر السلبية في المجتمع ويتحدى أولئك الذين يريدون فرض إرادتهم على الجميع متذرعين بالدين تارة وبالسياسة تارة أخرى. فالحل في الموسيقى والرقص الهادف صاحب الرسالة كما يقدمه لنا عيوش، فبهذا وحده ستواجه شياطين المجتمع وشياطينك. فلمن ستكون الغلبة في النهاية؟

المصدر: فرانس 24

حول الموقع

سام برس