سام برس
العيد في تهامة اليمن.. عادات وتقاليد لم تغيبها الظروف والأزمات
بقلم الدكتور / عمر أفلح

 بالرغم من اختلاف العادات والتقاليد الشعبية في اليمن لاستقبال العيد من منطقة الى اخرى الا انها متشابهة نوعا ما و ان اختلفت كانت بدرجات متفاوته وبسيطة جدا.. لكن في تهامة تبقى العادات والتقاليد في استقبال العيد طقوس يحافظ عليها الأهالي عبر الاجيال المتعاقبه وخاصة في الريف حيث ما زال الناس يحرصون على الحفاظ عليها رغم كل التطور الدخيل او المتزامن مع التقدم والنهضة.. بل ومتحدين كل الظروف والأزمات التي يعيشها معظمهم...

قبل العيد بأيام قليلة

تستعد المرأة التهامية لاستقبال العيد مبكراً ، فتقوم بأعمال النظافة والترتيبات للمنزل إضافة إلى دهن قوائم القعايد (أسِرَّة خشبية يشتهر بها الريف التهامي) . وفرشها بالجديد او بغسل فرشان العام الماضي وزينة المنازل وما ان تأتي الليلة التي تسبق العيد الا وكل البيوت جاهزة لاستقبال العيد ، وفي هذة الايام تعج أفواج ضخمة من سكان الريف ، في ما يشبه الهجرة العكسية من المدن إلى الأرياف للاحتفال بالعيد بين الأهل والأقارب والأصدقاء.
فالأعياد باتت السانحة الوحيدة لاستعادة شيء من دفء العلاقات الأسرية والاجتماعية التي خف وهجها في لجة مشاغل الحياة بكل تعقيداتها وتغييراتها المتسارعة.

فالأعداد الضخمة التي تهجر المدن اليمنية باتجاه الريف بحثاً عن معنى وطعم مغاير للعيد لا تشكل إلا هجرة عكسية مؤقتة، هؤلاء ليسوا من سكان المدن أصلاً، لكنهم جزء من ظاهرة الهجرة الداخلية الكثيفة التي تنامت بوتائر عالية خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

حيث يرى هؤلاء إنَّ العيد في اليمن يمثل فرصة للخروج من ضجيج المدينة إلى الريف الهادئ، وطمعاً في حياة أفضل لأسرهم التي تركوها خلفهم، لذا يجدون في العيد مناسبة للفكاك من حياة المدينة بكل قسوتها، من خلال العودة المؤقتة إلى قراهم لينعموا بشيء من الراحة ، وهم يستقبلون العيد وسط أسرهم وذويهم. وتشهد توافد السيارات القادمة من المدن في الأسبوع الأخير قبل العيد ازدحاماً ملحوظاً نتيجة عودة هذه الأعداد الكبيرة من سكان المدن إلى الأرياف.
 
يوم الوقفة

رغم ان كلة وقفة مرتبطة بيوم التاسع من ذي حجة يوم وقوف عرفات الا ان هذا الاسم ساد على اليوم الذي يسبق العيدين الفطر والأضحى وفي هذا اليوم ومن الصباح الباكر تتحول كل الأسواق الشعبية الى اسواق مفتوحه رغم ان بعضها معروف ان لها يوم في الأسبوع بما يسمى بالوعد الأسبوعي وهذا ما يميز هذا اليوم في تهامة حيث يتردد الناس منذ الصباح الباكر الى تلك الأسواق لشراء احتياجات العيد من ملابس ودقيق وسمن وعسل وعطورات و حلويات ومواشي و اي كماليات للعيد من سلع اخرى متعددة

وفي مساء هذة الليلة تبدأ طقوس مختلفة كإشعال النار ليلة العيد، حيث يسمى هذا الطقس في معظم مناطق تهامة "امشعليلة"، إذ يتم مزج الكيروسين بالرماد وتشكيله على هيئة كرات ثم يتم توزيعه على سطوح المنازل أو حولها استعدادًا لإشعالها، بالتزامن مع هذا يلعب الأطفال والكبار أيضًا بالمفرقعات النارية.

و يحرص الأطفال في تهامة على جمع كميات كبيرة من إطارات السيارات لحرقهافي هذة الليلة ، في أطراف القرى وهي عادة قديمة تسمى بالشعلليلة او التنصيرة عند بعض المناطق وهي بمثابة إعلان بقدوم العيد وتعبيراً عن فرحهم وابتهاجهم بحلوله.

وقبل دخول الكهرباء ووسائل التكنولوجيا الحديثة, كان الناس لا يعرفون موعد حلول الأعياد الا عبر مشاهدة أول شعلة على سواحل تهامة، وعند مشاهدتها يأتي الدور على كل قرية ومدينة في إشعال النيران لتبليغ كافة القرى التي تقع على مرمى البصر.

بينما يستعد النساء بطحن الذرة او الدخن ليكون جاهزا في صباح العيد حيث يكون للعيد طابع خاص ومختلف

صباح العيد

في الصباح ينطلق الجميع من الرجال والاطفال مرتدين الملابس الجديدة الى ساحات معينة يتم فيها اداء صلاة العيد وتسمى هذة الساحات بالمصلى او الجبانه ويبدأ الرجال البالغين في اداء الصلاة بينما الأطفال ينشغلون باللعب حولهم بالالعاب النارية و المفرقعات

ويمتاز العيد في تهامة بالسلام الجماعي بعد إكمال صلاة العيد وتبادل تهاني العيد والدعوات في أجواء حميمية خالصة ويقوم الآباء مع أبنائهم بالمرور على الأهالي والأقارب لا سيما كبار العائلة ويتبادلون الزيارات والتهاني بالعيد.

إفطار جماعي

لفطور العيد بصمته الخاصة في الريف التهامي حيث يجتمع أهالي كل حي كباراً وصغاراً وأطفالاً أمام موائد افطار جماعية، تزرع روح المحبة والتآلف والمودة والإخاء.

 وتتنافس الأسر التهامية بتقديم أكلات شعبية متنوعة وفي مقدمتها “الكدر والكبان والسمن ” وهي عبارة مأكولات شعبية تقدم في الأعياد والمناسبات القروية بنكهة خاصة

 وتمتد مائدة الإفطار الزاخرة بأشهى الأطباق التهامية لعدة أمتار ويحرص التهاميون فيها على تناولها كلا عند جيرانه او اهله .

وتعتبر هذه العادةالمتوارثة تقوية لعلاقة الجار بجارة وتؤكد على أهمية التكاتف والتعاضد في ما بينهم، وتزيد من أواصر المحبة بين الجيران”.

تكافل إجتماعي

دعا الإسلام في الأعياد إلى العمل على زيادة الأواصر الاجتماعية، إذ حث على بر الوالدين وصلة الأقارب ومودة الأصدقاء وزيارتهم، فتتزين المجالس بالحب والتراحم والتواد، وتزول الأحقاد والمشاحنات والنفرة من النفوس·

وتعد الذبايح إحدى موارد التكافل الاجتماعي ؛ حيث يتم التوزيع منها على الفقراء والمساكين، والتوسعة عليهم وإدخال السرور على قلوبهم بإطعامهم من لحومها في يوم العيد.

ويحرص سكان الريف التهامي على إحياء قيم العطاء والتكافل خصوصاً في الأوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد وعدم قدرة آلاف الأسر على شراء اللحم في العيد بعد انقطاع المرتبات منذ سنوات .

وتقوم كل أسرة بتوزيع جزء من لحم العيد على المحتاجين من الجيران أو في الأحياء المجاورة كما يحرصون على دعوة البعض منهم لتناول طعام الغداء مايزيد من أواصر التقارب والتآلف بين أفراد المجتمع.

جلسات القات

لايتوقف العيد في الريف  التهامي عند حدود تبادل التهاني والزيارات والإفطار الجماعي فجلسة القات تعتبر من أهم الطقوس التي يمارسها السكان في يوم العيد.

ويعد العيد موسم لتعاطي القات عند البعض ، حيث يفضلون أجود أنواع القات الشامي الذي يعد من أشهر أنواع القات في اليمن والذي يجلبه من مديرية المحابشة بمحافظة حجة المجاورة لمحافظة الحديدة

وفي العيد يحرص الصغار  والكبار على شرائه بضعفي ثمنه في يوم العيد وبكميات أكبر من المعتاد.

وبالرغم من أن تخزين القات تقليد يومي لكنه يكتسب أهمية خاصة ومتعة إضافية في يوم العيد خصوصاً بعد تناول وجبة غداء دسمة تليها جلسة تخزينة من الأهل والأحباب تمتد إلى ساعات طوال.

ثاني ايام العيد

ويسمّي التهاميون ثاني أيام العيد "عيد الأصهار"، إذ جرت العادة أنّ الزوجة تقضي أول أيام العيد في بيت زوجها، واليوم الثاني تأتي مع زوجها وأولادها لبيت أهلها.

وأخيرا.. تستمر الفرحة بالعيد في تهامة عشرة ايام حيث يطلق على اليوم العاشر بعاشر عيد  وتبقى هذه العادات والطقوس العيدية حاضرة في وجدان الإنسان في تهامة ؛ لأنها جزء من تراثه وماضيه الجميل وموروثه الحضاري والثقافي.

حول الموقع

سام برس