سام برس
يأتي العيد هذا العام والقلوب مثقلة بهمومٍ لا ترحم، والبيوت تضج بأسئلة الأطفال التي لا تملك الأجوبة.
لم يعد السؤال "متى العيد؟"، بل صار "كيف سيمر العيد؟" في ظل واقع مرير من انقطاع المرتبات، وضيق المعيشة الذي أحال حياة الكثيرين إلى صراع يومي من أجل الكفاف.

غصة في حلق "الخجل"
أصعب ما يواجهه رب الأسرة ليس الجوع في ذاته، بل تلك النظرة في عيون أطفاله؛ نظرة البراءة التي لا تفهم معنى "المحفظة الخاوية" أو "تأخر الرواتب". بالنسبة للطفل، العيد يعني "الكسوة الجديدة"، ولكن بالنسبة للأب ، الكسوة أصبحت هماً ثقيلاً أمام أولويات لقمة العيش.

إنه "إحراج الأولاد" الذي يفتت الأكباد، حين يعجز الأب عن تلبية أبسط الحقوق، فيضطر للمواراة والتهرب، وتصبح ضحكات الصغار طعناتٍ في صدرٍ ضاقت به الدنيا بما رحبت.
خلوّ الجيوب وظلم الأقربين
ما يزيد الطين بلة ليس فقط قسوة الظروف المادية، بل تلك "القسوة الاجتماعية" التي تظهر حين يغيب التراحم. ففوق عناء الحاجة، يأتي "ظلم الأقربين" الذين قد لا يشعرون بحجم المأساة، أو يكتفون بالمشاهدة، مما يجعل المرء يشعر بغربة داخل وطنه وبين أهله. إن مرارة الحاجة تضاعفها أحياناً غيبة المساندة ممن كان يُظن بهم خيراً، في زمنٍ صار فيه "الجيب" هو معيار التقدير، وغاب فيه جوهر التكافل الذي أمرنا به ديننا الحنيف.

واقع "الحر جَر" والصبر الجميل
نعيش اليوم حالة من "الحر جَر"؛ ركضٌ مستمر في ساقية الحياة بلا نتيجة ملموسة. التزامات العيد، متطلبات المنزل، وإيجارات متراكمة، كلها تجتمع لتخنق أي بارقة أمل. ومع ذلك، يظل الصبر هو السلاح الوحيد لآلاف الشرفاء الذين يرفضون مد اليد، ويحملون أوجاعهم في صمت؛ كرامةً لأنفسهم ولأهلهم، وصوناً لعزة نفسٍ لا تبيعها الأزمات.

نفحات من وجع الصبر :
أتـى الـعـيـدُ والـجـيـوبُ بـهـا خـواءُ ... وحـالُ الـحـرِّ يَـطـويـهِ الـعـنـاءُ
يُـواري دمـعَـهُ عـن طـفـلِ عـيـدٍ ... وتَـقـتُـلـهُ المـطـالـبُ والـرجـاءُ
رواتـبُـنـا مـضـت خـبـراً بـعـيـداً ... وضـاقـت بالـكـرامـةِ أرجــاءُ
وظـلـمُ الأقـربـيـنَ أشـدُّ وقـعـاً ... إذا مـا شـحَّ وصـلٌ أو سـخـاءُ
نُـداري فـي الـمجـالـسِ كـلَّ هـمٍّ ... وفـي الأعـمـاقِ مـوجٌ أو بـلاءُ
ولـكـنَّ الـعـزيـزَ يـمـوتُ صـمـتـاً ... ومـا لـنـدائـهِ أبـداً صـداءُ
فـيـا ربَّ الـعـبـادِ أغِـث نـفـوسـاً ... لـهـا بـالـصـبـرِ فـخـرٌ واعـتـلاءُ
خاتمة
ختاماً، ليس العيد لمن لبس الجديد، بل العيد لمن أمن الوعيد وتراحم مع القريب والبعيد.

إن معركة الكرامة التي يخوضها "العائل" في صمته هي أسمى صور الصبر الجميل، لكنها في الوقت ذاته نداء استغاثة لضمير المجتمع؛ ليكون التكافل هو العيد الحقيقي.
فخلف الجدران الصامتة حكايا وجع لا تروى، وصيحات خفية لا يسمعها إلا من كان في قلبه حياة.
فرفقاً بالكرام، وعيداً يغسل بفيضه أوجاع الصابرين.

حول الموقع

سام برس