سام برس
ضمن الإصدارات الأدبية اللافتة في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2025، رواية كيد الفراشات تأليف الكاتب مروان منير، التي طرحتها دار ارتقاء للنشر الدولي والتوزيع، لتشكل امتدادا فكريا ودراميا لرواية الكاتب السابقة “هي والعنكبوت” ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة تماما فهي تمزج بين البعد الاجتماعي والتشويق السردي.
تأتي رواية كيد الفراشات كجزء ثاني مكمل، لكنها لا تكرر نفس الرؤية، بل تعكس الصورة من الجهة المقابلة، إذ ينتقل الكاتب من عرض معاناة المرأة إلى تسليط الضوء على معاناة الرجل داخل العلاقات العاطفية والزوجية، في محاولة لتحقيق نوع من التوازن السردي والإنساني بين الطرفين، هذا التحول في زاوية الرؤية يمنح العمل عمقا إضافيا ويجعله أقرب إلى مشروع أدبي متكامل.
تحمل الرواية عنوانا رمزيا لافتا “كيد الفراشات”، حيث يعيد الكاتب مروان منير توظيف صورة “الفراشة” التي ظهرت في العمل السابق، لكن بدلالة مغايرة، فالفراشات هنا لا تمثل البراءة أو التضحية، بل تتحول إلى كائنات قادرة على المكر وصناعة الخيوط، في منافسة رمزية مع “العنكبوت”، هذا التحول الرمزي يعكس رؤية الكاتب لتعقيد الطبيعة البشرية، حيث لا يمكن اختزال أي طرف في صورة واحدة ثابتة.
وتدور أحداث رواية كيد الفراشات في إطار درامي مشوق يعتمد على تقنية “القصة داخل القصة”، حيث يأخذ الكاتب القارئ في رحلة نفسية إلى عالم مليء بالتشابكات العاطفية وتتصدر النساء المشهد بوصفهن الطرف المسيطر ظاهريا، بينما يتركن للرجل وهم القيادة، هذه المفارقة تخلق حالة من التوتر السردي وتدفع القارئ إلى إعادة التفكير في مفاهيم السيطرة والهيمنة داخل العلاقات.
وتطرح الرواية مجموعة من القضايا الحساسة، أبرزها الأنانية والغيرة والتلاعب العاطفي، حيث يصور الكاتب نماذج نسائية تمارس “كيدًا” من نوع خاص، لا يقوم على القوة المباشرة، بل على الذكاء النفسي والتأثير غير المباشر وفي المقابل، يظهر الرجل في كثير من الأحيان ضحية لهذه الشبكات المعقدة، رغم اعتقاده بأنه الطرف الأقوى أو المسيطر.
ويتميز أسلوب الكاتب مروان منير في رواية كيد الفراشات بالجمع بين السرد الأدبي والطرح التحليلي، حيث لا يكتفي بعرض الأحداث، بل يفتح المجال أمام القارئ للتأمل في الدوافع النفسية للشخصيات، كما يواصل الكاتب دمج عناصر من أدبيات التنمية البشرية داخل النص، مقدما رسائل ضمنية حول الوعي بالعلاقات وحدود التضحية وأهمية التوازن النفسي.
ومن الناحية الفنية، تحافظ الرواية على الطابع الذي ميّز أعمال الكاتب السابقة، من حيث التشويق والتصاعد الدرامي، إلى جانب الاعتماد على لغة مباشرة لكنها مشحونة بالدلالات، ما يجعلها قريبة من القارئ العام دون أن تفقد عمقها، كما يساهم البناء القائم على تعدد الحكايات في تقديم صورة بانورامية لأنماط مختلفة من العلاقات وهو ما يعزز من واقعية العمل.
وقد جاءت رواية كيد الفراشات بعد النجاح الذي حققته روايات سابقة للكاتب مروان منير، مثل “هي والعنكبوت” و”مذكرات جاسوس” وهو ما رفع سقف التوقعات لدى القراء، خاصة مع إعلان الكاتب أن هذا العمل يمثل استكمالا للرؤية التي بدأها وليس مجرد جزء ثاني تقليدي وبالفعل، نجح في تقديم عمل يحمل بصمته الخاصة، مع تطوير واضح في الطرح والزاوية.
وتعكس رواية كيد الفراشات أيضا اهتماما متزايدا في الأدب العربي المعاصر بمناقشة العلاقات الإنسانية من منظور نفسي واجتماعي، بعيدا عن الأحكام المطلقة، حيث يسعى الكاتب إلى تقديم صورة أكثر تعقيدا وواقعية، تعترف بأن الخطأ قد يكون مشتركا وأن الصراع بين الرجل والمرأة ليس صراعا بسيطا، بل شبكة من التفاعلات المتداخلة.
يمكن اعتبار رواية كيد الفراشات تجربة روائية جريئة، تحاول كسر الصورة النمطية لكل من الرجل والمرأة وتدعو القارئ إلى النظر بعين أكثر توازناً وإنصافا، إنها رواية لا تقدم إجابات جاهزة، بل تطرح أسئلة عميقة حول طبيعة العلاقات وحدود القوة والضعف ومعنى السيطرة في عالم يبدو فيه كل طرف أسيرا لشبكة من التعقيدات النفسية.
ومع رواية كيد الفراشات، يواصل الكاتب مروان منير ترسيخ حضوره في ساحة الأدب الاجتماعي، مقدما نصا يجمع بين المتعة الفكرية والتشويق ويؤكد أن الرواية يمكن أن تكون مرآة صادقة تعكس تناقضات الإنسان، سواء كان “فراشة” أو “عنكبوتا”.


























