بقلم/ الدكتور / علي إحمد الديلمي
هناك مفارقة مؤلمة باتت واضحة في المجتمع اليمني اليوم وهي ان من تربى في اسرة تقوم على الاخلاق والمبادئ واحترام الناس وتقدير العلم غالبا ما يجد نفسه عاجزا عن تجاوز الاخرين او انتزاع ما ليس من حقه لانه يحمل داخله قيودا اخلاقية تمنعه من التعدي او الاستغلال او القفز فوق القيم التي نشأ عليها ولذلك يبقى اكثر ترددا في اتخاذ بعض القرارات او الدخول في صراعات لا تنسجم مع ضميره وتربيته حتى لو كان الثمن ضياع حقه او تراجعه في الحياة العامة.

وفي المقابل يظهر اشخاص اخرون تربوا ايضا داخل بيئات تتحدث عن الاخلاق والمبادئ لكنهم مع مرور الوقت تحولوا الى نماذج انتهازية لا ترى في القيم سوى شعارات تستخدم عند الحاجة بينما يمارسون في الواقع سلوكا قائما على الاستغلال والوقاحة وتجاوز الاخرين دون اي شعور بالحرج او المسؤولية وهؤلاء غالبا ما يمتلكون قدرة كبيرة على الوصول الى المناصب والمكاسب لانهم لا يترددون في استخدام اي وسيلة مهما كانت قاسية او غير عادلة.

لقد ساهمت الحرب في اليمن في تعميق هذا الخلل بشكل كبير فسنوات الصراع والانهيار والفوضى اضعفت مكانة القيم الاجتماعية التقليدية ودفعت بكثير من الناس الى الاعتقاد ان النجاح لا يتحقق الا عبر النفوذ والانتهازية والقدرة على تجاوز الاخرين ومع غياب الدولة وهيبة القانون تراجعت معايير الكفاءة والاخلاق لصالح معايير القوة والمصلحة الشخصية والقدرة على المناورة والخداع.

ومع هذا التحول المؤلم اصبح كثير من اصحاب الاخلاق الحقيقية يشعرون بالغربة داخل مجتمعهم فهم يرون ان احترام الناس والصدق والالتزام بالقيم لم تعد صفات تمنح صاحبها التقدير بل ربما تحولت في نظر البعض الى نقاط ضعف يستغلها الاخرون بينما يتم تقديم الشخص الوقح والانتهازي على انه قوي وناجح وقادر على فرض نفسه حتى وان كان وصوله قائما على الظلم او استغلال ظروف الحرب والانقسام.

ان اخطر ما خلفته الحرب ليس فقط الدمار الاقتصادي والسياسي بل ايضا هذا التشوه العميق في ميزان القيم داخل المجتمع اليمني حيث اصبح المشهد العام في كثير من الاحيان بيد الاشخاص الاكثر قدرة على التلون والاستفادة من الفوضى بينما تراجع اصحاب الكفاءة والاخلاق الى الخلف ومع استمرار هذا الواقع فان المجتمع قد يخسر اهم ما كان يميزه عبر تاريخه وهو احترام القيم والحياء الاجتماعي والشعور بالمسؤولية تجاه الاخرين.

حول الموقع

سام برس