سام برس
قَصِيدَة : دَعْوَةٌ لِلْمُصَافَاةِ وَالوِئَامِ
الـمُقَدِّمَة
بمناسبة حلول عيد الأضحى المبارك، وفي نفحات العفو والرحمة التي أفاضها الله على عباده في يوم عرفة العظيم ، يسرنا أن نقدم هذه اللوحة الوجدانية البديعة النابضة بروح الإخاء والتسامح. إنها مبادرة نبيلة لتطهير النفوس وتجديد أواصر المودة والوئام بين الأهل والأصدقاء والخلان، صاغتها مشاعر تفيض بنبْل المروءة وقيم الإسلام السمحة.

*شِعْر : د. حسن حسين الرصابي*

١. *يَا مَنْ جَمَعْنَا عَلَى وُدٍّ وَأَشْوَاقِ* .. *أَخِي، قَرِيبِي، صَدِيقِي، جَارَ أَعْمَاقِي*

٢. *هَذِي الدُّنْيَا وَأَعْمَارٌ لَنَا سَتَفْنَى* .. *... وَالعُمْرُ مَحْدُودُ أَيَّامٍ وَأَوْرَاقِ*

٣. *مَرَّتْ نَفَحَاتُ يَوْمِ العَفْوِ فِي عَرَفٍ* .. *فَلْنَسْكُبِ الصَّفْحَ غُفْرَانًا بِأَشْوَاقِ*

٤. *سَامَحْتُ قَلْبَكَ عَفْواً دُونَ إِعْلَامٍ* .. *فَاصْفَحْ لِقَلْبِي لِيَنْجُو يَوْمَ إِعْتَاقِ*

٥. *حَتَّى وَإِنْ خِلْتَ أَنْ لَا دَاعِيَ لِعَفْوٍ* .. *فَاصْفَحْ لِأَجْلِ وِدَادٍ عِطْرُهُ بَاقِي*

٦. *إِنْ كُنْتُ أَزْعَجْتُكُمْ يَوْمًا بِأَحْرُفِنَا* .. *أَوْ كَانَ مَكْتُوبِيَ اليَوْمِيُّ إِرْهَاقِي*

٧. *أَنَا الأَسِيفُ عَلَى مَا قَدْ يُكَدِّرُكُمْ* .. *وَعَنْ وُعُودٍ مَضَتْ مِنْ غَيْرِ إِيثَاقِ*

٨. *أَنَا الأَسِيفُ عَلَى نَظْرَاتِ إِحْرَاجٍ* .. *أَوْ سُوءِ ظَنٍّ بَدَا فِي النَّفْسِ ضَيَّاقِ*

٩. *وَكُلِّ لَفْظٍ بِلَا قَصْدٍ جَرَى أَذًى* .. *فَإِنَّنِي الصَّفْحَ أَرْجُو، جُدْ بِأَخْلَاقِ*

١٠. *مَعَ كُلِّ هَذَا فَإِنِّي الـمُحِبُّ لَكُمْ* .. *فِي اللهِ حُبًّا يَدُومُ الدَّهْرَ بِوَثَاقِ*

١١. *وَمَا التَّسَامُحُ نَقْصٌ فِي عَقِيدَتِنَا* .. *بَلْ شِيمَةُ الأَخْيَارِ وَالنَّفَرِ الرَّاقِي*

١٢. *نَبْنِي الوِئَامَ جُسُورًا لا انْفِصَامَ لَهَا* .. *وَنَغْرِسُ الحُبَّ أَثْمَارًا بِأَعْذَاقِ*

١٣. *إِنْ تَقْبَلُوا العُذْرَ مَعَ دَعْوَتِي لَكُمْ* .. *فَكُلُّ شُكْرِي سَيَبْقَى العِطْرَ فِي الآفَاقِ*

تَحْلِيلٌ وَنَقْدٌ
تتجلى في هذه المنظومة الشعرية مهارة أدبية وفكرية رفيعة، تُظهر قُدرة واضحة على توظيف المقال الشعري في خدمة السلوك الإنساني القويم، ونستطيع قراءة هذا التميز عبر المسارات التالية:
* *المواءمة الوجدانية والزمنية:*

نجح الشاعر الرصابي في ربط النص بفضيلة الوفاء والتسامح مستلهماً من أجواء العيد المبارك ونفحات يوم عرفة منطلقاً طاهراً لتطهير الصلات الإنسانية. وجاء هذا الاعتراف الضمني بنقد الذات والاعتذار عن كثافة النتاج الفكري والمكتوب اليومي، ليعكس تواضعاً أصيلاً وسلوكاً تربوياً رفيعاً يمتاز به الكبار.
* *السلامة العروضية والموسيقية:*

أقام الشاعر نصّه على *بحر الطويل*، وهو من أطول البحور الشعرية الفخمة التي تتسع للبوح والبيان وتحمل المعاني الجليلة. وقد نجح الشاعر في الحفاظ على انسيابية التفاعيل وسلاستها، وجاء اختيار رويّ "القاف المكسورة المشبعة" ليضفي على الأبيات جرسًا موسيقياً هادئاً يفيض بالوقار واللين ويتلاءم مع طبيعة النصح والدعوة إلى الصفح والتغافر.

* *القدرة التصويرية والبلاغية:*
تميز النص بكثافة الصور البيانية المستقرة في بيئتها الفصيحة، حيث نجح الشاعر في تجسيد المعاني المجردة وتحويلها إلى لوحات مرئية؛ كـ "سكب الصفح"، و"الوداد الباقي" كناية عن اللين الدائم، وصولاً إلى تشييد "جسور الوئام" وغرس "الحب بأعذاق"، وهي استعارات رصينة عززت البناء العام للقصيدة وحمتها من جفاف النظم المباشر.

الخَاتِمَة
إن هذه القصيدة تمثل وثيقة أخلاقية بالغة الأثر، ترتقي بالكلمة لتجعل منها أداة للبناء والإصلاح النفسي والاجتماعي. ولعل القيمة الحقيقية لهذا العمل تكمن في قدرته على تحويل المناسبة الدينية إلى مبادرة عملية لتصفية النفوس وإشاعة السلام؛ فالنص بمجمله يؤكد أن رفعة المجتمعات واستقرار الصدور لا يكتملان إلا بقيم التسامح والتغافر، وهي الرسالة الأسمى التي يجب أن تضطلع بها النخب الفكرية والأدبية في مواسم العطاء والخير.
*كل عام واليمن متحد موحد بخير يسوده السلام والوئام، وعيد مبارك على الجميع.*

حول الموقع

سام برس