سام برس
كرامة الوظيفة في ظل المنعطف الاقتصادي البالغ القسوة الذي تكابده بلادنا، يجد الموظف العام نفسه — وفي مقدمته منتسبو المؤسستين العسكرية والأمنية، والمتقاعدون الذين أمضوا زهرة عمرهم في دهاليز الوظيفة العامة — أمام واقع مأساوي قاهر، التهم مدخراته الشحيحة، وبلغ فيه الحال حداً "فاق فيه الخرقُ حدودَ الراتق".
إن الموظف الذي أفنى شبابه وعقود عمره في خدمة جهاز الدولة، يواجه اليوم معركة ضارية وضبابية من أجل البقاء؛ معركة فُرضت عليه بين مطرقة غياب العائد المالي "المرتب" المنتظم، وسندان انهيار شبكات الحماية والرعاية الاجتماعية والصحية التي تكفلها له القوانين واللوائح.
إننا اليوم لا نترف بطلب "رفاهية" زائدة، بل نضع أمام المسؤولين وصناع القرار في الجهات المعنية تساؤلاً جوهرياً يمس كرامة الإنسان وصون الجبهة الداخلية للوطن: ما الذي يطلبه الموظف أو المتقاعد من دولته حين تنقطع به السبل؟
- أولاً: القطاع الصحي الحكومي.. غياب الرقابة وهدر الإمكانيات
إن الحقيقة المؤلمة التي يجب ألا نتوارى عنها، هي أن سقف طموح الموظف اليوم قد تقزم بفعل الأمر الواقع؛ فهو لا يطالب الوزارة بصرف "روشتة" العلاج المرتفعة الثمن، بل يملك الاستعداد الكامل لشرائها وتدبير قيمتها من الصيدليات الخاصة بشق الأنفس.
لكنه يطالب بحقه القانوني والأدنى في "السرير الحكومي"، وبتفعيل دور الأجهزة الطبية التشخيصية المملوكة للدولة، والتي وُجدت أساساً لخدمة المواطن والموظف والمتقاعد الذي ليس له وجهة أخرى، بدلاً من ترك هذه الأجهزة والمنشآت عرضة للإهمال أو التوظيف النفعي.
لقد تحولت بعض المستشفيات العامة بكل أسف إلى بيئات طاردة تفتقر لأدنى معايير السلامة البيئية والنظافة، وغاب عن أروقتها الانضباط الوظيفي للكوادر المتخصصين في الفترات الحرجة. هذا التراجع المخيف أغلق الأبواب عملياً في وجه الموظف والمتقاعد ذوي الدخل المعدوم، ودفع بهم مجبرين إلى مقصلة القطاع الخاص.
- ثانياً: الاستثمار التجاري بالأوجاع.. مسرح العبث والاستنزاف
وأمام هذا القصور، تحول الموظف والمتقاعد "الغلبان" إلى غنيمة سانحة لبعض المستوصفات والمشافي الخاصة التي تجردت في معظمها من رسالتها الإنسانية، وتحولت إلى مشاريع تجارية بحتة هدفها الربح السريع. في تلك المقار، يُقذف بالمواطن في مسرح عبثي تتقاذفه هموم المرض وأطماع الكسب؛ حيث تُفرض عليه حزمة من الفحوصات المتكررة والكشافات غير المبررة علمياً، لمجرد استنزاف مدخراته الأخيرة أو دفع أسرته لبيع ما تبقى من أثاث بيوتهم.
لقد وصل الحال ببعض الموظفين — تحت وطأة هذا الابتزاز المالي الممنهج — إلى مطالبة أطباء الأسنان بقلع أضراسهم "بالكلبتين البدائية" ودون تخدير، رغبةً في قطع الطريق على دوامة المواعيد والفحوصات التعجيزية. إنها مفارقة موجعة وعميقة، حين يرى المواطن أن مرافق رعاية أخرى قد تحظى بتنظيم يفوق ما يراه في مشافٍ طبية تُصنف الخدمة الإنسانية فيها "تحت الصفر".
- ثالثاً: المؤسسة الطبية العسكرية والأمنية.. روتين الرتب وسياج الوساطات
وإذا ما التفتنا إلى أبناء القوات المسلحة والأمن، فإن المعاناة تأخذ بعداً أكثر حساسية وعمقاً، لاسيما عندما نتحدث عن شريحتين: المقاتل المرابط في الميدان، والمتقاعد العسكري الذي أفنى شبابه وصحته في الذود عن حياض الوطن ثم تُرِك في شتا عمره يواجه المرض وحيداً. فالجندي والضابط والمتقاعد الذي نذر روحه لحماية ثغور الوطن وسكينته، يجد نفسه اليوم عاجزاً عن حماية جسده وجسد من يعول من فتك الأمراض. وهنا نتساءل: لماذا لا تستقبل المستشفيات العسكرية منتسبي وزارة الدفاع ووزارة الداخلية والمتقاعدين منهم وفقاً للمحددات القانونية الصارمة التي أنشئت من أجلها؟
إن الحقيقة المرة الماثلة للعيان هي أن بوابات هذه المستشفيات وأسرتها لم تعد متاحة بوجوب القانون والخدمة، بل أصبحت محكومة بروتين معقد، وسياج منيع من العلاقات الشخصية والمعارف والوساطات النافذة، والتفاضل الرتبي غير العادل، وهو الأمر الذي يحرم الفرد البسيط أو المتقاعد الذي انقطعت صلاته بمراكز النفوذ من الحصول على الخدمة الطبية أو حتى الاستشارة التشخيصية المتاحة.
وهنا نضع النقاط على الحروف بمرارة ساطعة: إنها لمأساة وطنية وإنسانية كبرى، لو قَدّر الله وداهم المرضُ عبداً من عباد الله أفنى عمره في خدمة بلده — ولنضرب مثلاً بكاتب هذه السطور الذي قضى في خدمة بلاده 54 سنة كاملة وما زال مرابطاً في الميدان العسكري والقانوني ولم يكلّ أو يتوانَ — ثم أُسعِف شخصياً إلى المستشفى العسكري، فيُمنع من الدخول بحجة "عدم وجود سرير"، وتُغلق في وجهه الأبواب التي ساهم في إرساء دعائمها لمجرد غياب "المعرفة والوساطة"! ليجد نفسه مجبراً على الارتماء في أحضان المستشفيات الخاصة التي لا ترحم.
إذا كان هذا حال من رصيده أكثر من نصف قرن في خدمة الدولة، فكيف يكون حال الجندي البسيط أو المتقاعد المنسي؟! إن كرامة الوظيفة العامة والخدمة العسكرية هنا تصبح على المحك.
- مصفوفة المطالب والمعالجات العاجلة
إننا من واقع المسؤولية الوطنية والقانونية، نرفع للجهات المعنية مصفوفة من الإجراءات التنفيذية العاجلة التي لا تتطلب ميزانيات ضخمة، بل تتطلب إرادة إدارية حازمة:
1. إعادة الحوكمة والتفعيل الرقابي: على وزارة الصحة تفعيل لجان التفتيش والرقابة الميدانية المفاجئة على المستشفيات العامة، وإلزام الاستشاريين والتخصصات بالدوام الفعلي، وضمان مجانية التشخيص والأجهزة للموظفين والمتقاعدين.
2. تطهير وتأهيل المنشآت الطبية: صيانة المستشفيات الحكومية بيئياً ونظافةً، لتعود مرافق استشفاء تليق بالآدمية، لا بؤراً للأوبئة والروائح الكريهة.
3. مأسسة الإجراءات وشمل المتقاعدين في المشافي العسكرية: إلغاء كافة أشكال المحسوبية والوساطات والتمييز الروتيني عند بوابات المستشفيات العسكرية والأمنية، واعتبار بطاقة الخدمة العسكرية (أو بطاقة التقاعد العسكري والمدني) صكاً قانونياً ومقدساً يُلزم المستشفى بتقديم الرعاية الطبية أو الاستشارة التشخيصية فوراً.
4. حماية الموظف من تغول القطاع الخاص: وضع سقف سعري موحد وملزم لكافة الفحوصات والخدمات في المستوصفات الخاصة، ومعاقبة كل من يثبت استغلاله لحالة المرضى عبر المبالغة التشخيصية.
- ختاماً
إن المرحلة التاريخية والراهنة التي نمر بها، تستدعي هبةً من الإرادة الوطنية الصادقة التي تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل المصالح الضيقة والمنافع الشخصية. إن صون كرامة الموظف، والعسكري المرابط، والمتقاعد الذي ترك بصماته في جدار هذا الوطن، وتأمين حدهم الأدنى من الرعاية الصحية، ليس تكرماً ولا منّة، بل هو الركيزة الأساسية لاستقرار الوطن وصمود جبهته الداخلية.
والله المستعان،،


























