بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
منذ سنوات واليمنيون في الشمال والجنوب يدفعون ثمن حرب طويلة استنزفت الإنسان والأرض والدولة. وبينما تتعالى الأصوات التي ترى في استمرار الصراع طريقا لتحقيق الأهداف السياسية، فإن الحقيقة التي أثبتتها التجارب هي أن الحروب لا تنتج في النهاية سوى مزيد من الدمار والانقسام، وأن السلام العادل يظل الخيار الوحيد القادر على حماية مصالح الجميع دون استثناء. فلا الشمال انتصر بالحرب، ولا الجنوب حصد من استمرارها ما يعوض الخسائر الهائلة التي تكبدها الناس على امتداد الوطن.
إن تصوير السلام باعتباره مؤامرة أو تفريطا بالحقوق يتجاهل حقيقة أن ملايين اليمنيين أصبحوا أسرى للأزمات الاقتصادية والانهيار المؤسسي وانعدام الخدمات. فالسلام لا يعني إلغاء القضايا السياسية أو تجاهل المظالم، بل يوفر البيئة المناسبة لمعالجتها بالحوار والتفاهم بدلا من السلاح. أما استمرار الحرب فإنه يؤجل الحلول ويضاعف التعقيدات ويمنح القوى المسلحة مبررات إضافية للبقاء والتمدد.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن المستفيد الأكبر من الحروب ليس المواطن العادي ولا الأسر التي فقدت أبناءها، بل شبكات المصالح التي راكمت النفوذ والثروة في ظل الفوضى. فاقتصاد الحرب خلق طبقة من المنتفعين الذين ترتبط مصالحهم باستمرار الصراع، ولذلك لا يتوقفون عن إنتاج الخطابات التي تغذي الانقسام والكراهية وتدفع الناس للاعتقاد بأن السلام خطر بينما الحرب هي الخيار الوحيد المتاح.
كما أن استقرار اليمن يمثل مصلحة إقليمية ودولية قبل أن يكون مطلبا وطنيا. فالأمن في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن لا يتحقق عبر الحروب المفتوحة إلى ما لا نهاية، بل عبر تسويات سياسية تضمن الاستقرار وتعيد بناء مؤسسات الدولة وتمنح المواطنين فرصة لاستعادة حياتهم الطبيعية. وكل تجربة ناجحة في العالم تؤكد أن السلام المستدام أكثر قدرة على حماية المصالح الاستراتيجية من الصراعات الدائمة.
وفي النهاية فإن الشعوب لا تقاس بقدرتها على مواصلة الحروب بل بقدرتها على إنهائها عندما تدرك أن كلفتها أصبحت أكبر من أي مكسب محتمل. والسلام ليس انتصارا لطرف وهزيمة لآخر، بل انتصار للحياة على الموت وللمستقبل على الماضي. أما الذين يرفضون كل فرصة للتسوية ويبحثون دائما عن معركة جديدة، فهم في الغالب أولئك الذين يخشون خسارة الامتيازات التي وفرتها لهم سنوات الحرب، بينما يدفع المواطن البسيط وحده الثمن جيلا بعد جيل.


























