بقلم/ د. مصطفى هدهود
تتوالى الأصوات خلال الأعوام السابقة بأهمية تحويل القرى المصرية إلى قرى منتجة صناعياً، وأرى أن الحل الأمثل للموقف الاقتصادى المصرى الحالى هو رفع مستوى مشاركة المصريين فى جميع ربوع البلاد فى أعمال التصنيع الفعلى، ولذا لا بد من تنفيذ الدراسات لكيفية تحويل القرى والمدن المصرية إلى قرى ومدن منتجة صناعياً. نحن فى صراع بين المحافظة على الرقعة الزراعية فى الدلتا والصعيد، وبين تحويل القرى والمدن التى يقطنها 80 مليون مواطن إلى مواقع منتجة صناعياً؛ ولذلك لا بد من اتخاذ القرارات الجريئة، حيث يوجد بمصر 4677 قرية رئيسية و249 مدينة.
ولذلك لو تم اتخاذ قرارات سيادية بالموافقة على ترخيص 15 فداناً من الأراضى خارج الزمام فى كل قرية رئيسية؛ لبناء مدارس على فدانين، ومستشفيات على فدان واحد، ومصانع إنتاجية على 12 فداناً لا تتضمن مزارع دواجن أو حظائر مواشٍ أو مصانع أعلاف، ولا تتضمن مصانع فرز وتعبئة الخضراوات والفاكهة الطازجة أو المجمدة، حيث إن المطلوب تنفيذ صناعات فعلية؛ لإنتاج منتجات أولية ووسيطة لصالح الصناعات النهائية، وتكون صناعات صديقة للبيئة فى مجال الصناعات الإلكترونية، والكهربائية، والمعدنية، والبلاستيكية، والمطاطية، والألياف الصناعية، والكيميائية غير الضارة بالبيئة. وبذلك يكون المطلوب ترخيصه بالقرى الرئيسية نحو 70105 أفدنة، وبالمدن نحو 7350 فداناً، من خلال ترخيص 30 فداناً فى الأراضى خارج زمام الـ 249 مدينة؛ لبناء مدارس على 4 أفدنة، ومستشفيات على فدانين اثنين، ومصانع إنتاجية على 24 فداناً، بذات أسلوب أراضى القرى.
ونرى أن العائد البشرى، والاجتماعى، والصناعى، والاقتصادى، والتعليمى، والصحى من تنفيذ تشييد المدارس والمستشفيات والمصانع الفعلية الإنتاجية على هذه الأراضى سيفوق بكثير خسارة هذه الأراضى الزراعية القديمة؛ حيث سيساعد فى تحسين فرص التعليم العادى والفنى، والاهتمام بصحة الإنسان، وزيادة الوعى الصناعى الإنتاجى لدى أهالى القرى والمدن بالمحافظات، ويساعد فى القضاء على البطالة وحالات التسكع وتضييع الوقت فى المقاهى والكافيهات.
وعلى التوازى مع تنفيذ هذا المشروع القومى السيادى، نرى أهمية إصدار قرارات من الوزراء والمحافظين بإيقاف ومنع إصدار تراخيص إنشاء المقاهى، والكافيهات، وصالات الأفراح الجديدة التى انتشرت بشكل سرطانى، وكذلك منع إنشاء قاعات جديدة لتقديم واجب العزاء والتى تسمى «المضيفة» داخل القري؛ حيث نلاحظ خلال السنوات الماضية إنفاق ملايين الجنيهات من قِبل أهالى القرى لإنشاء مضايف جديدة أو تطويرها والتباهى بها، وكلها أعمال غير إنتاجية. ونرى وجود عشرات المضايف فى كل قرية لا يتم فتحها إلا مرة واحدة على الأكثر أسبوعياً، وتتكلف المضيفة الواحدة أكثر من 3 ملايين جنيه.
ونرى أهمية تشجيع أهالى القرى، وموافقة المختصين على استغلال الأراضى الفضاء داخل زمام كل قرية ومدينة لإنشاء مدارس، أو مستشفيات، أو مصانع إنتاجية صديقة للبيئة، وكذلك تشجيع المحافظين على استغلال كل الأراضى الفضاء المملوكة للمحافظة داخل القرى والمدن لإنشاء مصانع إنتاجية بالمشاركة مع القطاع الخاص وتحويل الاراضى والشون المملوكة للبنك الزراعى والبنوك والمؤسسات المالية والصناعية وهيئة الاوقاف المصرية الى مشروعات صناعية وتعليمية وصحية بالمشاركة مع القطاع الخاص بدلا من بيعها بالمزادات واستغلالها فى مجالات غير انتاجية من المستثمرين مثل المقاهى والكافيهات وقاعات الافراح والعزاء. ونرجو اعتبار التجمع الحرفى الإنتاجى السكنى الذى تم تشييده فى قرية «فرهاش» بمركز حوش عيسى بمحافظة البحيرة -الذى تمت الموافقة على فكرته عام 2014 وتم افتتاحه بواسطة رئيس مجلس الوزراء عام 2020- مثالاً جيداً لتحويل القرية المصرية إلى قرى إنتاجية. ولاستكمال هذا المشروع القومى، نرى أهمية ترخيص نسبة لا تقل عن 30% من كل الأراضى التى يتم تمهيدها فى أطراف القاهرة، أو يتم تغيير مجال استخداماتها الحالى وتحويلها إلى مجال سكنى، على أن يتم ترخيص هذه النسبة لاستخدامها فى بناء مجمعات مدارس، ومستشفيات، ومصانع إنتاجية صديقة للبيئة، وهذا فى كل عواصم ومدن أوروبا وآسيا التى زرتها؛ حيث تتواجد عشرات المصانع الكبرى داخل التجمع العمرانى دون مشاكل. ويساعد ذلك على وجود المدارس والمستشفيات والمصانع بجوار مساكن المواطنين، مما يساعد فى تسهيل تقديم فرص التعليم والعلاج، وتقليل مسافات الانتقال واستهلاك المركبات والوقود، ويزيد من فرص وجود أفراد الأسرة مع بعضها البعض، ويقلل الإجهاد الجسمانى. ونرى تنفيذ ذلك فى كل التمدد العمرانى السكنى فى الأطراف الجنوبية والشرقية للقاهرة الكبري؛ فى أنحاء التجمع الخامس، والقطامية، والشروق، ومدينتى، وحول طرق (القاهرة - العين السخنة)، والسويس، والإسماعيلية.
نرى أهمية دراسة هذه المقترحات والوصول إلى الحل الأمثل لتحويل القرى والمدن والعاصمة إلى مواقع تعليمية، وصحية، وصناعية إنتاجية، كوسيلة مهمة لتطوير الاقتصاد المصرى، وزيادة فرص التصنيع المحلى، والحد من الاستيراد، وتحويل المجتمع كله إلى مجتمع صناعى بحت.
ونرى تشكيل لجنة من كبار رجال الاقتصاد، والصناعة، والتعدين، ووزراء الصناعة والاستثمار، والشركات، والمستثمرين المصريين الراغبين فى تشييد المصانع داخل القرى والمدن؛ لتحديد رغباتهم واحتياجاتهم الصناعية الإنتاجية الفعلية، على أن يكون المستثمرون من أهالى القرى والمدن ذاتها، وتحديد الصناعات الموافق على تنفيذها فى ربوع قرى ومدن مصر كلها، حتى نحقق الهدف المطلوب، وعدم تكرارها إلا فى الحدود التى تحقق العائد الاقتصادى، والصناعى والمالى المطلوب.
نقلاً عن الاهرام


























