بقلم/ عصام محمد عبد القادر
مسكننا مقر سكينتنا ومستقرنا وحصننا الذي يحفظ خصوصيتنا ويحمي قداسة أعراضنا ويقينا من تقلبات تفاصيل الحياة الخارجية؛ إذ يمنح نفوسنا طمأنينة مطلقة، ويقي كرامتنا من عيون الفضول، ويمنحنا الراحة من مضايقات الآخرين؛ فهو حد فاصل بين خصوصية الحياة وعموميتها، والضامن لبقاء الود والمودة والوئام بين جميع أفراد الأسرة؛ فلا مجال لتدخلات، ولا مبرر لأن يفسد كائن من كان علينا نغمة الهدوء وسلامة الوجدان؛ حيث مقومات الاحترام المتبادل بين قاطنيه، وطيف المحبة في قلوب قاطنيه.
منازلنا واحات أمان تتفيأ ظلالها نفوسنا بالراحة والاطمئنان، وتهتدي بخصال الألفة والمودة؛ لتغدو متحابة محفوظة من شتى تداعيات الأطماع المادية المتسارعة، وهنا نوقن بأن الأسر تستعيد أصالتها حين تتمسك بميثاق الأخلاق التي تحفظ الروابط وتديم الاستقرار الروحي والنفسي في أرجاء المكان؛ لذا وبلا استثناء لزامًا علينا أن نرفض التبريرات الواهية التي تشرعن الاختراق بكل صوره، وأن نبادر باعتلاء سفينة القيم النبيلة، كونها صمام أمان ضد المادية المقيتة، والنفعية الغازية للعالم بأسره.
بيوتنا معاقل حصينة تحفظ استقرار النفوس وتوفر السكينة لأرواح أفرادها في ظل مغريات العصر الحديث المتسارعة، التي تهدد كيان بيوت أسرنا بالانهيار، مما يستدعي يقظة مستمرة ووعيًا عميقًا لحماية أسرارها وأواصرها من التصدع المبين، عبر اختراقات رقمية خفية، تبدو عادية في ظاهرها، غير أنها تخفي وراء مظاهر اللطف المصطنع دمارًا غير مرئي، ينال من تماسك العائلة، ويهدم قواعد المودة والأمان ببطء بالغ؛ إذ ينتهي بتفكك الأواصر المقدسة بين أفرادها جميعًا دون استثناء.
يصعب أن ننكر مع تسارع إيقاع الثورة التقنية المعاصرة أنه قد تلاشت الحدود الفاصلة بين الخصوصية والانفتاح، وتسللت التأثيرات الوافدة؛ لتخترق حصون العائلة، وتهدد استقرارها الداخلي، متجاوزة السدود التقليدية، التي صانت نقاء النفوس وسلامة الوجدان طويلًا، لتبرز بوادر التصدع الأسري؛ وهذا دون مواربة يتطلب أنماطًا من الوعي التي تعمل على حراسة المداخل العميقة للبيت، وتحفظ للمنازل أمنها وطمانينتها وسكينتها المعهودة، وقدرها ومكانتها السامية في الوجدان الإنساني.
نتفق تمامًا على أن بيوتنا تحظى بخصوصية مصونة، تجعلها ملاذًا آمنًا للطمأنينة الإنسانية، وحصنًا منيعًا للاستقرار النفسي، وتتأتى هذه الحصانة من التزام أفرادها بحفظ الأسرار وصون الروابط عن المتسلقين، أو المتنطعين، أو المخربين، أو المتسترين خلف جدر الشاشات، غير أن التساهل في مشاركة الخصوصيات عبر المنصات الرقمية يفتح أبوابًا للرياء والمقارنات المهلكة، قد يصل للكشف عن العورات، وفي بعض الأحيان يصل الأمر لهتك الأعراض، وهذا للأسف ينزع السكينة ويوهن بناء العائلة، مما يدعونا إلى أن تكون عقولنا يقظة؛ بغية حراسة المودات والحرمات من عواصف الفضول الخارجي الذي بات مستعرًا.
تتسلل بعض الممارسات الرقمية تحت ستار التواصل العابر؛ لتخترق حصون الاستقرار العائلي، وتزعزع أركان الاستقرار والسكينة المبتغاة، وتتحول الأحاديث العابرة تدريجيًا إلى روابط وجدانية مستجدة، تهدد كيان البيت وتضعف تماسك الروابط المشتركة؛ فالانصياع خلف المغريات الافتراضية يفقد الأسر هويتها الأصيلة، ويزرع بذور التشتت والخصام، مما يتطلب وعيًا دقيقًا لحماية الحدود الخاصة، وصيانة العهود الأخلاقية، التي تحفظ للبيوت طمأنينتها ووقارها الدائم أمام طوفان مغريات عصرنا الحديث.
حرمة بيوتنا تعني أنها تحتضن أرواحنا الساعية إلى محبة الاستقرار في ظل رياح الحياة العاتية؛ إذ توفر لنا حماية الكيان والبنيان، كونها أسست على الفضيلة؛ ومن ثم بات فرض عين علينا أن نحميها من مغريات الانحراف نحو الفوضى؛ فهناك أجيال يتوجب أن نمنحها المساحة الدافئة، وواحة الاحتواء؛ لتصبح قادرة على العطاء، وتستثمر طاقتها في مسارات الإنتاج، ويتأكد في نفوسها الولاء والانتماء للوطن الصغير والكبير على السواء.
إن حصانة البيت تكمن في تماسك روحه، ووحدة مقاصده؛ لتبقى المودة سياجًا يقي العائلة عواصف الشتات والفرقة؛ فصيانة الروابط تقوم على الوفاء الدائم والميثاق الأخلاقي الراسخ، الذي يحفظ للكيان الأسري استقراره وهيبته، وسط متغيرات العصر ومغرياته؛ لتستمر البيوت واحات آمنة، تحفها العفة، وتنبض بالسكينة والمحبة الخالصة، وتعكس أصالة القيم النبيلة في أبهي وأبقى صورها وأصدق معانيها.
نقلاً عن اليوم السابع


























