سام برس
في زوايا التاريخ المنسية ، حيث تلتقي رائحة تراكم الاهمال برائحة الحياة، ويلعب الأطفال فوق أكوام من القمامة ويمرحون بجوار مجاري الصرف الصحي، وقف رجل واحد أمام مشهد يكسر القلب، لكنه لم يكتف بالألم ولا بالندب ولا بالشكوى.

كان ذلك في عام 1993 بالمكلا والرجل هو صالح عباد الخولاني، محافظ حضرموت حينها كانت المكلا مجرد مدينة صغيرة تئن تحت وطأة الفقر وشحة الخدمات ، مدينة تفتقر لأبسط مقومات الحياة، لكنها كانت تملك بحرا واسعا وسكان وأطفالا يستحقون الحياة.

وفي أحد الأيام، نزل المحافظ إلى منطقة تسمى "العيقة"، وهو مكان تجتمع فيه القاذورات وتتكاثر الروائح الكريهة، وفي نفس المكان. يتجمع الأطفال ليلعبوا كمالو كانوا في أجمل الحدائق . وقتها لم يتحمل قلب هذا الرجل المشهد، لكنه كان يسعى لتغييره دون ان يعرف كيف يغيره.

وفي تلك اللحظة، مر مهندس سويسري من أصل ألماني كان مشرف على مشروع صيانة شبكة انابيب المياه في حي العمال وهو أحد احياء المدينة ، ورأى بعينيه ما لا يوصف، وأطفالا يلعبون في قلب القمامة، الي جانب وجود رجل واقفا ومتأملا وفور وصوله اليه حاول التعرف عليه فتفاجأ بانه المحافظ وأراد أن يوثق المشهد بكاميراته. وتقدم الي المحافظ ليستأذنه بالسماح له بتصوير الاطفال فسأله المحافظ :
"لماذا تصورهم؟"

قال المهندس الألماني: "لعلي أساعدك لدى الصندوق الالماني في حل مشكلة المجاري بالمكلا القديمة لأنها خارجة عن الخدمة وتصب في هذا المكان وقد تكون فرصة لعمل مشروع لخدمة المحافظة".

عندها ، قال المحافظ كلمة غيرت مصير مدينة بأكملها :
"مادام وفيها مشروع ، صورني معاهم!"

الا ان المهندس ٱثر تصوير الأطفال فقط موثقا ان تلك الصورة لم تلتقطها الكاميرا فقط ، لكنها التقطت في قلوب الجميع، وكانت نقطة التحول. وفي تلك اللحظة التي لم يكن الخولاني مجرد محافظ، بل أبا لكل طفل لعب في القمامة،  وصوتا لكل من حرموا من
نظافة الشوارع وجمال البحر.

وبعد ثلاثة أشهر فقط، وصلت الموافقة الألمانية بتجديد مضخات الصرف الصحي للمدينه التي تسببت في هذا الوضع بالاضافة الي أمر بضم الاحياء المحيطة بالمكان لتمويل مشروع معالجة الصرف الصحي، بعدها تم تشكيل لجنة فنية برئاسة المهندس فهد المنهالي رئيس الدائرة الفنية لوضع تصور لسلسة مشاريع بدأت حينها وانتهى البعض منها في اوقات لاحقة ومنها خور ورصيف ممتد في وسط المدينة، ليصبح اسمه "خور المكلا" وواحدا من أجمل منتزهات اليمن، ورمزا للتحول من القاذورات إلى الجمال، ومن الإهمال إلى العطاء.

هذه القصة ليست مجرد حكاية عن مشروع عمراني، بل هي قصة عن قائد رأى في أطفال القمامة مستقبل المدينة، وعن مهندس ألماني لم يغض بصره عن مشهد مؤلم، وعن صورة واحدة فتحت البحر على مدينة كانت تغرق في البأس واليأس.

واليوم ، حين يمشي أهالي المكلا على رصيف الخور، وحين ترفرف أرواح الأطفال في هواء المكان النقي، قد لا يتذكرون ذلك الرجل الذي قال : "صورني معاهم"، ليصبح هو نفسه الصورة التي ساهمت في فتح البحر، وصار الخور عنوانا لعاصمة حضرموت، وشاهدا على أن القيادة الحقيقية لا تصنعها المناصب، بل تصنعها المواقف.

رعى الله العميد . صالح عباد الخولاني، الذي كان ولا زال بحرا في عطائه، وصورة في ذاكرة الوطن، وهو الذي فتح البحر لمن بعده، ليبقى الخور شاهدا على أن الإنسان قادر أن يحول القاذورات إلى حدائق، والمستحيل إلى واقع.

حول الموقع

سام برس