بقلم/ القاضي د. حسن حسين الرصابي
في رحلة الحياة وتصاريفها، لا تقتصر معركة الإنسان على تجاوز التحديات العادية، بل تتعداها إلى مواجهة بيئة اجتماعية يمارس فيها البعض دور "المُثبّطات" للجم كل إقبال على الخير. وتشتد هذه المواجهة حين تتسرب إليها مفاهيم قاصرة أو تقاليد اجتماعية بالية، يُراد بها تقييد الإرادة وإضعاف العزائم، وكأن استئناف الحياة وتجديد الأمل أمر يُستنكر أو يُستحيى منه!
المسكوت عنه:
إن المسكوت عنه في كثير من مجتمعاتنا اليوم هو ذلك الخوف الضمني والأعراف الظالمة التي تفرض السكون والجثوم تحت ثقل الأحزان على المرأة (خاصة صاحبة المكانة والتاريخ)، وكأن حقها الشرعي والإنساني في إعادة بناء حياتها واختيار السكن والسكينة تهمة اجتماعية أو خدشٌ للوفاء! لقد آن الأوان لكسر هذا الصمت، والمكاشفة بأن الدين والشرع جاءا لتحرير الإنسان من وصاية الأهواء ونظرات المشككين، وأكدا أن طلب الحلال والسعي ونبذ العزلة هو الأكمل والأطهر نفساً وخلقاً.
إن من أشد التحديات النفسية أن تُحاصر قامة أكاديمية رفيعة —نالت من العلم والوعي ما يُمكنها من إدارة حياتها ورسم مسارها بملء إرادتها— بأغلال التردد وخوف "كلام الناس". فقد تمضي السنوات على رحيل شريك العمر الأول، ويبقى الوفاء والتَّرَحُّم نصباً قائماً في الوجدان، لكن سُنّة الله في خلقه هي الحركة والاستمرار؛ قال تعالى:

﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]. فالحياة لا تتوقف عند محطة واحدة، بل تتجدد ألطاف الله ورسائله في كل مرحلة ليجد الإنسان سكناً وإشراقاً جديداً؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
غير أن التردد يتسلل حين تتعدد "استشارات المقربين"، ويتكاثر الناصحون وتتضارب الرؤى، فيتحول كل رأي متوجس إلى عائق جديد يغذي الخوف بعد كل لحظة توافق وإقبال. وهنا تتجلى الحقيقة الناصعة في السيرة النبوية الشريفة؛ فقد كانت أمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات نماذج في تجديد الحياة بالشرع والحلال؛ فهذه أم سلمة -رضي الله عنها- حين توفي عنها زوجها أبو سلمة (وكان من أحب الناس إليها)، لم تقف حياتها، بل دعاها الإيمان للتسليم والرجاء حتى عوضها الله بالنبي صلى الله عليه وسلم، ليتعلم المسلمون أن زواج الأرملة ليس إثماً ولا منقصة في الوفاء، بل هو سُنة نبوية وممارسة صحابية رفيعة تُحقق السكن والاستقرار.

إن التحول الحقيقي يحدث عندما ينزاح غبار الخوف لصالح الحكمة: إن الاستمرار في بناء الحياة واستئناف السكن ليس نسياناً للماضي، بل هو استكمال لرسالة نبيلة. وحين تلتقي إرادتان على الخير والعلم والعطاء، يتجلى هدف أسمى يتجاوز الذات إلى "التربية بالنموذج" من أجل الأولاد؛ ليروا في أمهم قامة شجاعة تُمارس حقها الشرعي والإنساني برأسٍ مرفوع، وتصنع الاستقرار، ولا تترك مساحاتها لتردد الوجل أو حسابات الناقدين.

إن طريق تحقيق السكينة وبناء غدٍ أفضل لن يكون مفروشاً بالورود، ولن تصمت أصوات التردد ما لم يُتخذ القرار بملء الشجاعة والثقة بالله. والرهان الحقيقي يكمن دائماً في رفض البقاء في أسار الخوف من نظرة الآخرين؛ فالحياة لا تُوهب لذوي التردد، بل يقطف ثمارها من يملكون الشجاعة ليعيشوها برضا واقتناع، متوكلين على الله الذي جعل لكل بداية فرجاً ولكل أمل جديد باباً ومخرجاً.

حول الموقع

سام برس