سام برس
عبر أروقة التاريخ الإسلامي والفكر العربي ، لم تكن السيادة يوما لفرد وحده بما يمتلكه من مقومات او بدونها ، بل كانت للكلمة الصادقة والنص المحفوظ. وفي خبيئة هذا التاريخ العظيم ، يبرز اسم "الدلواني" لا كلقب عابر، بل كرمز لسلسلة ذهبية من سدنة الفكر وحماة للتراث وموثقي للذاكرة، بامتداد أثرهم الشامخ عبر القرون ليجمع بين ثلاثة أعيان شكلوا خط دفاع معرفي وثقافي فريد.
1. أحمد بن محمد الدلواني: المرجعية العلمية ومرجع الحفاظ في القرن التاسع الهجري، وتحديدا في العصر الذهبي لتدوين التراجم، لمع اسم العالم أحمد بن محمد بن كمال الدلواني كقامة علمية سامقة. فلم يكن مجرد معاصر للحافظ شمس الدين السخاوي، بل كان مصدرا أصيلا وركنا متينا اعتمد عليه السخاوي ونقل عنه في كتابه الخالد "الضوء اللامع لأهل القرن التاسع". إن جلوس عالم بحجم السخاوي ليأخذ عن ومن الدلواني ويستعين به لتاليف مادة موسوعته، لهو خير شاهد على مكانة هذا العلم الذي أسس أولى حلقات هذا المجد المعرفي وهذا الامتداد لهذه السلالة الرفيعة .
2. يحيى بن محسن الدلواني: الحارس الأمين لعين الشوكاني
ومع بزوغ القرن الثالث عشر الهجري في اليمن، تجلت الأمانة العلمية في أبهى صورها عبر يحيى بن محسن الدلواني، كتلميذ لمجدد عصره الإمام محمد بن علي الشوكاني وجامع مخطوطاته. فلم يكن يحيى بن محسن الدلواني مجرد ناسخ يتتبع الحروف،
بل كان سيفا صقيلا ساهم في ابراز دور ومكانة أحد ابرز عصره . ففي عام 1225هـ، خطت يداه النسخة الأم والأجل لكتاب "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار"، وهي النسخة التي ضبطت وقوبلت على أصل الشوكاني ببراعة متناهية.
واليوم، حين تطاولت أيدي التحريف وأوهام الطبعات التجارية على تراث الشوكاني، وقفت مخطوطة الدلواني ( المحفوظة في كبرى دور الكتب كصخرة صماء تحطمت عليها الافتراءات، وأثبتت بالدليل القاطع خلوّ نيل الأوطار من أي كتابات مدسوسة، لتغدو ريشة
يحيى الدلواني هي المرجع الأول والقول الفصل لجميع المحققين المعاصرين.
3 . محمد محسن الدلواني (صوت الوجدان ووثائقي الذاكرة)
وفي العصر الحديث، يستمر النبض بحيوية تجسدت في كتاب "مشاعر صادقة خواطر وتأملات"، الصادر عن الاتحاد العربي للثقافة والإبداع. متضمنا أكثر من أربعمائة مقال لم تكن مجرد كلمات على ورق، بل وثائق حية تجسد العادات والتقاليد، وتقرأ النسيج الاجتماعي والثقافي والمعيشي لليمن وتبرز الدور الفاعل لأهم الشخصيات المعاصرة . حيث جرى تدشين توزيعه بالعاصمة صنعاء في احتفالية كبرى بحضور نخبة من رجالات السياسة والفكر والادب بالمجتمع، ليشهد على امتداد وتواصل المعارف وكفاءة الرسالة. لأن أصالة المعدن
لا تصدأ، بقدر ما ينبعث هذا النفس المعرفي في عصرنا الحديث ليرتدي لباسا ثقافيا واجتماعيا تجسد في مؤلف معاصر ليمثل خطوة امتداد طبيعية لأسلافه الذين حرسوا النص الفقهي والتاريخي، وبحرص متناه على توثيق ذاكرة الوطن وأصالة أهله، وعبر أكثر من أربعمائة مقال تناولت أبعادا اجتماعية وثقافية ومعيشية رصدت العادات والتقاليد اليمنية الأصيلة ليعلن للجميع أن اقلام " آل الدلواني" ما زالت وستظل تمسك بزمام التأثير وتسهم في صياغة الوجدان الجمعي فمن المحبرة إلى الخاطرة خيط نوري لا ينقطع وإن الربط بين هؤلاء الأعلام النجباء يكشف عن سر متصل
فالأول (أحمد الدلواني)
كان المادة العلمية الموثوقة التي أضاءت "الضوء اللامع" للسخاوي.
والثاني (يحيى الدلواني) كان اليد الأمينة التي خلدت "نيل الأوطار" وحمت بعض فكر الشوكاني من الضياع.
والثالث ( محمد الدلواني ) برز كالقلم الحي الذي يسجل نبض الشارع ويوثق التراث الاجتماعي في وقائع العصر.
وجهودهم مجتمعة هي رحلة مباركة، انتقلت فيها الأمانة من حفظ ورواية الحديث وفقه الأحكام، إلى حماية المخطوطات من التغيير والتبديل، وصولا إلى حراسة الهوية الوطنية والاجتماعية. لقد أثبتوا عبر التاريخ أن المجد لا يوهب، بل يكتب بمداد العرق والأمانة، وأن أسماءهم ستظل حية ما حيي كتاب يقرأ، أو نص يحقق،
أو أثر يوثق
وإن الربط بين هذه القمم الثلاث يكشف عن خيط ذهبي ناصع فأحمد الدلواني أصل العلم ونقله للآفاق، ويحيى الدلواني حرس المتن الفقهي وساهم في حفظه من الضياع،
ومحمد الدلواني وثق الروح والذاكرة اليمنية وساهم في كتابة موروثها الشفهي والاجتماعي.
إنها حكايات لأثر متصل ؛ بدأت بحفظ النص والحديث، واستمرت بضبط الفقه والحديث، وتوجت بتوثيق الإنسان والأرض فهكذا تصنع الأسماء تاريخها، وهكذا يبقى آل الدلواني حراسا للكلمة، وسدنة للتراث، وصناعا للذاكرة الوطنية والدينية عبر العصور.


























