سام برس
تثبتُ الحقائقُ التاريخية أنَّ إرادةَ الشعوبِ الحُرّة هي الصخرةُ الصمّاء التي تتكسّرُ عليها كلُّ أوهامِ السيطرةِ ومخططاتِ التركيع.
وفي قلبِ هذه الحقائقِ يقفُ اليمنُ شامخاً، يسطّرُ أبناؤه في كلّ مرحلةٍ ملحمةً جديدةً من ملاحمِ الصمودِ والثبات؛ إيماناً منهم بأنَّ الأوطانَ الشريفةَ لا تُباعُ ولا تُشترى، وأنَّ العزةَ قدرُ الأحرارِ لا اختيارُهم.
حينَ يراهنُ الأعداءُ على زرعِ اليأسِ وتوهينِ العزائم، يفاجئُهم هذا الشعب العظيم بفيضٍ من الإيمانِ واليقينِ يملأُ القلوبَ ثباتاً. وحينَ يُرادُ للهاماتِ أن تنحني، ترتفعُ الرؤوسُ شموخاً إلى عنانِ السماء، معلنةً أنَّ الركوعَ لغيرِ اللهِ محال. وحتى عندما اتخذوا من التجويعِ والحصارِ سلاحاً ظناً منهم أنه سيطفئُ جذوةَ الحياة، غدا الإصرارُ يمانياً، فصنع اليمانيون من عتمةِ العدمِ نوراً، ومن شبحِ الجوعِ حياةً ملؤها الكبرياءُ والعطاء.
إن الوعي المجتمعي المتجذر في وجدان ابن اليمن ليس وليد اللحظة، بل هو امتدادٌ لثقافة إيمانية ووطنية عريقة، ترى في الصبر ثباتاً وفي التضحية نصرة للحق، ليتلاحم أبناء الوطن صفاً واحداً في مواجهة أعتى التحديات.
إنَّ هذا الوطنَ العريق، الذي أثبت عبر سالفِ الأزمنةِ وحاضرِها أنه مقبرةٌ للغزاةِ وعصيٌّ على الانكسار، لن تنالَ منه ثلّةٌ من الذين باعوا شرفهم وكرامتهم بدراهمَ معدودة. فالذي لا يفقهُ معنى الكرامةِ ولا يدركُ قيمةَ الترابِ الوطنيّ، لا يمكنُ له أن يهزمَ شعباً جعلَ من التضحيةِ والشهامةِ وساماً يتوشح به عبر التاريخ.
إن الرضا بالاحتلال والترحيب بأساطيل الغزاة هو تخلٍّ طوعي عن الكرامة التي كرّم الله بها بني آدم. فالسيادة الوطنية ليست ترفاً، بل هي سياج الحرية، والقبول بانتهاكها هو "موت معنوي". فكيف ينام قرير العين من يرى القرار الوطني يُصادر، والسيادة تُداس؟ إن من يبرر للمحتل تواجده تحت أي مبرر، إنما يحكم على نفسه بالعبودية، ويورث الأجيال ذلاً لا يمحوه اعتذار.
ولأن العزة تجري في شرايين هذا الشعب مجرى الدم، فإن الرهان على تطويعه بالضغوط أو تطويق إرادته بالرهانات الخائبة هو رهانٌ على السراب. إن تاريخ الشعوب الحرة يعلّمنا أن الأوطان التي تُسقى بوعي أبنائها وبأسهم لا يُمكن أن تُقهر، وأن كل محاولة للمساس بسيادتها لا تزيدها إلا صلابة وتلاحماً. سيبقى هذا التراب غالياً، عصياً على المساومة، وستظل هامة اليماني عالية لا تنحني إلا لبارئها، ليظل هذا الوطن شامخاً بكرامته، مهاباً بصموده، ومثالاً يحتذى في الاستبسال والدفاع عن الحق والسيادة.
سيبقى اليمنُ كعهده دائماً عزيزاً، مجيداً، ورايته خفّاقةً في سماواتِ المجد.
وَقَالُوا: "ارْكَعُوا"، فَارْتَفَعْنَا شُمُوخاً ... نَطَالُ الثُّرَيَّا وَنَحْمِي الحِمَى
وَظَنُّوا المَنِيَّةَ فِي جُوعِنَا ... فَصُغْنَا الحَيَاةَ، وَعِزّاً نَمَا
وَمَا نَامَ حُرٌّ عَلَى ذِلَّةٍ ... وَلا انْصَاعَ يَوْماً لِمَنْ غَشَمَا
فَهَذَا اليَمَنُ العَزِيزُ العَرِيقُ ... أَبَى أَنْ يَهُونَ وَأَنْ يُهْضَمَا
سَتَبْقَى الكَرَامَةُ فِينَا دَماً ... وَيَبْقَى اليَمَنُ الشَّامِخُ الأَعْظَمَا


























