سام برس
تحليل: العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي
ليس أشد خطراً على البناء الحضاري من اللحظة التي يقرر فيها العقل السياسي استبدال التنمية بالردع، والرفاه بالترسانات. إن ما تمر به القارة الأوروبية اليوم يتجاوز حدود التعديلات الهيكلية في الموازنات العسكرية؛ إنه تحولٌ فلسفي وجوهري في الهوية والوظيفة. فالقارة التي قدمت للعالم عقوداً من الزمن نموذجاً فريداً في تجاوز مرارات التاريخ والسمو فوق الضغائن القومية لصالح التكتل والتكامل الاقتصادي والإنساني، تبدو اليوم وكأنها تخضع لطغيان الخوف، متخليةً عن دورها كمشعلٍ للإلهام لتتحول إلى قلعةٍ مدججة بالسلاح وتستدعي شياطين التاريخ القديمة.
إن اندفاع أوروبا نحو مضاعفة الإنفاق العسكري، وتحويل المليارات من القطاعات الخدمية والتنموية والبحثية إلى مزارع للتسلح وبناء خطوط الدفاع، لا يمثل مجرد استجابةٍ ميكانيكية لتهديداتٍ إقليمية أو تحولاتٍ في المظلة الأمنية الدولية؛ بل يعكس انكساراً بنيوياً في الفكرة التي قامت عليها التجربة الأوروبية برمتها. لقد كان جوهر "المشروع الأوروبي" يقوم على أولوية كرامة الإنسان، وسيادة القانون، وحرية الحركة، واعتبار السلام خياراً استراتيجياً نهائياً لا رجعة عنه. أما اليوم، فإن طغيان الخطاب الأمني الصارم، وتقديم الردع على الحريات، وتنامي التيارات الراديكالية الداعية إلى الانكفاء والشوفينية، يشير إلى أن عقيدة الحرب بدأت تستوطن العقول قبل أن تتشكل في الميادين.
ولعل أشد أبعاد هذا التحول رعباً يتجسد في إعادة إحياء "الشرارة المخيفة" للردع النووي. إن تطورات الحرب الروسية - الأكرانية وتحولها إلى حرب استنزاف استراتيجية أزالت الغطاء عن الفتيل المشتعل؛ حيث لم يعد التلويح بالسلاح النووي مجرد أداة منع لمنع وقوع الحرب، بل تحول إلى عنصر ضغط يومي في إدارة الصراع. إن نزع الخطوط الحمراء عن الترسانات الفتاكة، وتحديث العقائد العسكرية الدولية لتشمل إمكانية الاستخدام النووي التكتيكي، يضع البشرية برمتها على حد السيف. فلم يعد الخطر محصوراً في اندلاع مواجهة عسكرية تقليدية، بل في احتمال نشوب شرارة خاطئة أو سوء تقدير استراتيجي يقود إلى كوارث كوكبية لا تبقي ولا تذر.
ولا تقف آثار هذا التحول الفلسفي والعسكري عند حدود القارة العجوز؛ فالعالم، وفي مقدمته الوطن العربي، يقع في قلب هذه التداعيات المتسارعة؛ إذ لا يمكن فصل الأمن الأوروبي عن فضائه الحيوي المباشر في حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط. إن إعادة تشكيل الأولويات الأمنية في أوروبا تعني تلقائياً إعادة رسم خرائط الطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية الاستراتيجية، فضلاً عن التعاطي مع ملفات الهجرة والاستقرار السياسي بمنظورٍ أمني استثماري بحت يخلو من الأبعاد الإنسانية.
إن هذا المشهد الدولي المتغير يفرض على الأمة العربية استيعاباً سريعاً وعميقاً لملامح النظام الدولي الجديد المتشكل بالحديد والنار. فالمنطقة العربية التي تتوسط قارات العالم القديم ليست مجرد هامشٍ يتأثر بالأزمات، بل هي في صلب المعادلات الاستراتيجية القادمة. وإن تراجع نموذج السلام القائم على المصالح المشتركة في أوروبا يحتم علينا الاعتماد على الذات، وبناء رؤية شاملة تُفعّل مفاهيم الأمن القومي العربي، وتستوعب التحولات الدولية القاسية قبل أن تفرض استحقاقاتها المباشرة علينا.
إن الخطر الأكبر الذي يواجه الحضارة الإنسانية اليوم ليس مجرد احتمال نشوب صراع عسكري جديد، بل هو استسلام العقل السياسي للمخاوف التي تعيد إنتاج مآسي الماضي وتشرعن أسلحة الدمار الشامل. وحين تُبنى سياسات الدول على الخوف بدلاً من الأمل، تفقد المشاريع الحضارية جوهرها الإنساني، وتصبح الترسانات العسكرية والنووية هي المعيار الأساسي للوجود، وهو المنزلق الخطير الذي دفع العالم في السابق أثمن الأثمان لتجاوزه.


























