بقلم/ محمد الرميحي
ما يعنينا خليجياً أن فاتورة الطلاق بين واشنطن وطهران تصل إلى بيوتنا قبل أن تصل إلى موسكو وبكين. أمن الملاحة، ومرافق الطاقة، وحياة الناس لا يجوز أن تصبح بنوداً ثانوية في مساومات الكبار. الأفضل أن نبني موقفاً خليجياً يساند التهدئة...
بين إيران والولايات المتحدة طلاق بائن، وكل محاولة لجمعهما تنتهي إلى خلاف على شروط الجلوس قبل البحث في شروط الاتفاق. ولقد أثبتت لقاءات نيويورك الأخيرة ذلك من دون لبس.
إيران تريد أن تفرض شروطها كأنها المنتصر في هذا الصراع. ومع احترامي للجهد الذي تبذله الدوحة وإسلام آباد، أرى أن الرهان على التوفيق بين الرأسين يصطدم بما هو أكبر من مهارة الوسطاء. كل طرف يريد من الآخر تنازلاً يقدمه إلى جمهوره باعتباره انتصاراً، وكلاهما يخشى أن يبدو التراجع اعترافاً بأن ما أنفقه، وما خسره، لم يوصله إلى الغاية المعلنة.
وإذا استعرنا لغة العلاقات الزوجية، فإن هذا الطلاق يحتاج إلى "محلّل" سياسي، قوة تستطيع فتح طريق للعودة عن هذا الطريق المدمر، وتملك تلك القوة التأثير والضمانات، والاستعداد لدفع كلفة التسوية. هنا تكمن المشكلة. الدول التي تستطيع التأثير في طهران ليست جمعيات خيرية، ولها حساباتها مع واشنطن. وأقصد خصوصاً روسيا والصين. السؤال عندهما، هو: ماذا نربح من إنهاء الخصومة، وماذا نخسر إذا بقيت؟ ومن هذه الزاوية يمكن فهم المسافة بين بيانات الدعوة إلى السلام، والسلوك الفعلي، بعيداً من التصريحات المجاملة.
روسيا تخوض حرباً ليست سهلة في أوكرانيا، وكان للسلاح الأميركي والمعلومات الأميركية دور مهم فيها. لذلك لا يصعب تصور ارتياح موسكو إلى رؤية واشنطن منشغلة بجبهة أخرى، تنفق عليها المال والذخائر ووقت المسؤولين. كل منظومة دفاع تحتاجها القوات الأميركية في الشرق الأوسط تدخل في حساب موارد محدودة، مهما اتسعت القدرة الأميركية. وكل خلاف بين واشنطن وحلفائها حول الحرب يخفف بعض الضغط السياسي عن روسيا، أو يمنحها فرصة للمساومة و المناورة.
لهذا أعتقد أن موسكو تفضّل خصومة تستنزف الأميركيين من دون أن تنتهي بانهيار شريكها الإيراني. وتحدثت تقارير صحافية، نقلاً عن مسؤولين غربيين، عن مساعدة استخبارية روسية لطهران، فيما تنفي موسكو تقديم ذلك الدعم.
هذه معلومات ينبغي نسبتها إلى مصادرها، لكن دلالتها المحتملة واضحة: إطالة قدرة إيران على المواجهة، ورفع ثمن العمليات الأميركية. والخطر علينا في الخليج أن المعلومات المستخدمة في ملاحقة المصالح الأميركية قد تتحول إلى أذى يصيب دولاً عربية مجاورة، ومنشآت مدنية لا شأن لها بالحساب الروسي.
أما الصين فتنظر إلى المشهد من جهة أخرى. منافستها الكبرى مع الولايات المتحدة تقع في الاقتصاد والتكنولوجيا والنفوذ الآسيوي، وحول تايوان وبحر الصين الجنوبي. ومن مصلحتها، وفق هذه القراءة، أن يتوزع الجهد الأميركي بعيداً من جوارها. واشنطن المشغولة بإيران أقل تفرغاً لمراقبة بكين ومزاحمتها، وأشدّ تعرضاً للاختلاف مع شركائها. وقد تحصل الصين على الفائدة من دون إطلاق رصاصة أو إرسال جندي إلى المنطقة.
لكن حساب الصين لا يخلو من قيد مهم؛ إنها تحتاج إلى نفط الخليج وأسواقه واستقرار طرق التجارة. لذلك لا أرى أنها تريد حريقاً مفتوحاً يقطع الإمدادات ويضرب اقتصادها. ما قد يناسبها هو انشغال أميركي يمكن احتماله، لا فوضى بلا حدود. وهذا الفارق يفسر كيف تستطيع قوة كبرى أن تدعو إلى التهدئة، وتبقى في الوقت نفسه غير مستعدة لممارسة الضغط الكافي لإنجازها. إنها تريد تقليل الضرر عليها، وليس بالضرورة إزالة كل ما يرهق منافسها. أوروبا رعم تضررها الاقتصادي مشغولة بمشكلاتها وغاطسة في بحر من الأزمات الاقتصادية والديموغرافية.
يتحرك الوسطاء من دون كلل... ولكن يستطيع الوسيط نقل الرسائل، وتلطيف العبارات، واقتراح موعد الاجتماع ومكانه، لكنه لا يستطيع منح المتخاصمين إرادة لم تتكون بعد. الدوحة وإسلام آباد تتعاملان مع مطالب متباعدة، ومع أطراف خارج غرفة التفاوض تؤثر في فرص نجاحه. لذلك أخشى أن يظل جهدهما يدور حول إدارة الأزمة وتأجيل انفجارها، بينما يجري تقديمه أحياناً كأنه مقدمة مصالحة باتت قريبة.
وقد يكون أقصى المتاح اليوم اتفاق محدود يمنع اتساع الحرب، ويحفظ الملاحة، ويفتح باباً لتفاوض أطول. ذلك هدف يستحق العمل، شرط ألا نخلط بين وقف إطلاق النار وانتهاء أسباب النزاع من جذورها. وفي طهران مشكلة لا تحلها حسن النيات. من يملك أن يقول الكلمة الأخيرة، وأن يلزم بها المؤسسات والقوى المرتبطة بإيران خارج حدودها لا يزال غامضاً ومختفياً حول ضباب من التصريحات المتناقضة، الاتفاق الذي يوقعه ديبلوماسي يعترض عليه صاحب السلاح ويضيف خيبة جديدة.
وفي واشنطن يصعب بناء ثقة على تبدل المواقف ورفع سقف المطالب في كل جولة. بين الطرفين تاريخ من الشك يجعل كل ضمانة موضع سؤال، وكل خطوة قابلة لتفسير عدائي. ولا أرى أن تشدّد الخطاب وحده يكشف حقيقة الموقف. قد يرفع الطرفان الصوت وهما يبحثان سراً عن مخرج، وقد يجلسان أمام الكاميرات فيما يستعدان لجولة قتال. المعيار هو قبول التزامات واضحة يمكن تنفيذها ومراقبتها. وعدا ذلك يمنح الوسيط صوراً تذكارية، ويمنح المتحاربين وقتاً إضافياً، ويترك أهل المنطقة يتابعون نشرات الأخبار ويسألون أين ستسقط الضربة التالية؟
ما يعنينا خليجياً أن فاتورة هذا الطلاق تصل إلى بيوتنا قبل أن تصل إلى موسكو وبكين. أمن الملاحة، ومرافق الطاقة، وحياة الناس لا يجوز أن تصبح بنوداً ثانوية في مساومات الكبار.
الأفضل أن نبني موقفاً خليجياً يساند التهدئة، ويطالب بضمانات عملية تمنع الاعتداء، ويحسب حساب استمرار الخصومة. أما انتظار "المحلّل" القادم من روسيا أو الصين، فأخشى أنه انتظار طويل؛ فبعض المدعوين الى إصلاح ذات البين يجدون في استمرار القطيعة منفعة، ويتركون للجيران دفع الحساب. الطلاق لهما، والفاتورة علينا.
نقلاً عن النهار


























