سام برس
ملحمة صمود شعب — الحلقة الثانية عشرة
المسرحية الدرامية الملحمية: «عُرْسٌ عَلَى ثُغُورِ المَجْد»
تأليف: العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي
بطاقة النص المسرحي (الشخصيات):
- النقيب حُسَام: ضابط عسكري شجاع، عريس يقطع إجازته طوعاً بعد تكليفه بمهام قيادية جسيمة لربط التعزيزات وإيصالها إلى الجبهات.
- أَرْوَى: العروس الشابة الأصيلة، زوجة حسام، تمزقها مشاعر العاطفة وتشدها عزة النفس والإباء.
- الحاجة سَعَادَة: أم حسام، امرأة يمنية مؤمنة صابرة تفيض بالحنان والفخر.
- عَزِيّة: أم أروى (الحماة)، حادة الطبع ومندفعة، تلحّ بإتمام تدابير العرس فوراً أو الفراق والطلاق.
- أَبُو أَرْوَى: والد العروس، رجل وقور يحترم شرف الجندية ومقتضيات الكرامة ويحكّم العقل.
- أَخُو أَرْوَى: شاب يندفع أول الأمر خلف هواجس أمه وأخته قبل أن تنكشف له حقيقة الموقف ومقتضيات الشرف والواجب.
- الملازم قاسم (مُنسّق القوافل): ضابط ميداني وصل على رأس أرتال السيارات العسكرية لنقل العائدين والمؤن.
[المشهد الأول: صراع الحسابات وضغط الحماة]
(المكان: دار أبو أروى. مجلس يمني تقليدي، يتوسطه بساط شرقي، والزينة معلقة على الجدران. الجو مشحون بالتوتر. يجلس "أبو أروى" محاولاً تهدئة الأجواء، بينما تذرع أم العروس "عزيّة" القاعة جيئة وذهاباً بغضب شديد. تلتزم "أروى" الصمت في الزاوية، وتنظُر أحياناً إلى ثوب زفافها وبيدها محرمة تكفكف بها أساها).
عزية (تضرب بكفها على الأخرى بصوت حاد وساخط):
إلى متى هذا التسويف يا أبا أروى؟! ابنتك معلقة منذ أشهر! الناس يتساءلون والدار مزينة، وحسام يجيء يوماً ويختفي في الجبهات أربعين يوماً! واليوم إجازته جارية ولم تنتهِ بعد، فما الذي تؤخرون العرس لأجله؟ استعجلتمونا بالعرس وقيمتم علينا القيامة حين مضى من الإجازة يومان، وبعد أن صدقناكم وقمنا بحجوزات الصالات والتزيين "المكوفرة" والمغنية والخياطة؟ والدعوات توزعت وفستان الزفاف استأجرناه وخُسر فيه، فمن يتحمل هذه الخسائر؟! إما أن يُقام حفل الزفاف كاملاً خلال هذا الأسبوع ويستقر مع زوجته ثمانية وعشرين يوماً مدة الإجازة، وإما أن يُفك هذا العقد ويكون الطلاق ويدفع مؤخر الصداق ويتحمل غرامات الحجوزات! لا خيار ثالث!
أبو أروى (بهدوء ورزانة):
يا أم أروى، اتقِ الله! حسام ليس في رحلة استجمام، حسام مرابط على الثغور في سبيل الله لحماية الأرض والأنفس. الظرف استثنائي، والرجل يأتي كلما أُتيحت له الفرصة. زِني كلامكِ ولا تُحمّلي الرجل ما لا يطيق!
أخو أروى (ينضم لوالدته بتوتر):

ولكن يا أبي، أمي على حق! أختي ليست لعبة، فإن كان حسام غير مستعد لبناء أسرته الآن وإتمام زفافه، فليصرح بذلك وليتركها لحال سبيلها، ولو قدّر الله وقُتل في الحرب مثل أخيه شاكر، فأختي تصبح أرملة!
أروى (تقف معترضة بنبرة صوت يملؤها الإباء وتخنقها العبرة):

كُفّا يا أمي.. ويا أخي! حسام ليس بالذي يهرب من مسؤولياته، ولا أنا بالتي تكسر ظهر رجلٍ يُعدّ نفسه لميادين الجهاد والشرف! أنا اخترت حسام، وأعلم طبيعة واجبه، ومستعدة للانتظار حتى ينتهي الواجب، أستودعه الله الذي يحفظ الودائع.
(تستمر الأمهات في النقاش وتدخل الحاجة "سعادة" والدة حسام بثبات ووقار، لتسمع أطراف الحديث).
الحاجة سعادة (بصوت هادئ وممتلئ بالكبرياء):

السلام عليكم ورحمة الله... الطلاق يا عزية؟ أهكذا يُكافأ من يضع روحه على كفه كي ننام نحن في أمان وسلام؟
عزية (تلتفت إليها بحدة):
أهلاً يا أم حسام.. نحن لا ننكر جهاد ابنكِ، ولكن لابنتي حقاً أيضاً! العرس معطل، والوقت يمضي، ونريد حسم الأمر الليلة؛ إما زفاف ناجز، أو كل حي يذهب في سبيله!
[المشهد الثاني: التكليف القيادي والبرقية الميدانية]
(بينما يشتد النقاش، يُسمع هدر محركات سيارات وأطقم عسكرية تتوقف خارج الدار. يدخل الملازم قاسم مسرعاً، يحمل حقيبة خرائط وبرقية عملياتية عاجلة، ويؤدي التحية للنقيب حسام).
الملازم قاسم (بأنفاس متقطعة ونبرة عسكرية حازمة):

حضرة النقيب حسام! أبلغكم أن قيادة الجبهة قد سيّرت أرتال السيارات والأطقم لنقل جميع المجازين وأصحاب الرخص، والجرحى والمرضى الذين تماثلوا للشفاء. وقد أصدرت القيادة قراراً بتكليفكم رسمياً بمهمة قيادة أرتال العائدين، مع الإشراف المباشر على نقل التعزيزات اللوجستية الضخمة من الأسلحة والذخائر والمؤن!
حسام (يقف مستعداً ومندهشاً):

قيادة القافلة والتعزيزات اللوجستية؟! وما هي التوجيهات العملياتية الخاصة بالخطة؟
الملازم قاسم (يسلّمه الخرائط والبرقية بحزم ومسؤولية):
بلاغ عملياتي عاجل وسري جداً يا أفندم: تفيد المعلومات برصد تحشيد وتحركات مكثفة للمرتزقة صوب باب المندب والجبال الحاكمة. تُسنَد إليكم مهمة قيادة الأرتال وتأمين وصول المجاهدين والمؤن والذخائر إلى خطوط التماس، مع اتخاذ أقصى تدابير الحماية والحيطة أثناء التحرك!
(تخيم حالة من الذهول والوجوم على المجلس).
عزية (تصرخ بغضب وتسخط):
أرأيت يا أبا أروى؟! لم يكتفوا بإلغاء إجازته، بل كلفوه بمسؤولية نقل الجيش والسلاح والذخائر في وجه الطائرات والقصف! هذا ما كنت أحذر منه!
الحاجة سعادة (تنظر إلى ولدها بعينين مليئتين بالحنان والحرص):
يا بني يا حسام.. المهمة جسيمة والأعداء يتربصون بالطرقات، فكيف ستؤمن هذه القوافل والذخائر؟
حسام (ينظر إلى الخريطة بثبات ويشد نطاقه العسكري بخطى حاسمة):
يا أبي يا أمي.. ويا أبا أروى.. إذا نادى الوطن وطرق الخطر أبواب باب المندب والجبال الاستراتيجية الحاكمة، فلا مجال للاستئذان! قيادة هذه القوافل وتأمين العائدين والذخائر شرفٌ تقلّدته من القيادة، وسأضع خطة السير والفرضيات الأمنية واحتياطات السلامة بما يضمن وصول كل رصاصة وكل جندي إلى موقعه في خطوط التماس. أَنَا أَقْطَعُ إِجَازَتِي طَوْعاً وَأَقُودُ الرَّتْلَ السَّاعَةَ لِتَلْبِيَةِ نِدَاءِ الوَاجِبِ!
عزية (تقاطعه بصوت خافت):
إن خرجت الآن يا حسام في هذه المهمة دون أن تطمئننا، فكيف ننام وروحك على كفك بين السلاح والذخائر؟
حسام (ينظر إلى الجميع بهيبة ووقار):
يا خالتي عزية.. ويا عمي أبا أروى.. كرامتكم وعرضكم في سويداء قلبي، وأروى جوهرة لا أفرط بها. ولكي أقطع قول كل مشكك، خذي يا أروى هذه الرسالة وهذه الأبيات لتكون عهداً وثيقاً قائماً بيننا إلى يوم النصر أو الشهادة.
[المشهد الثالث: العهد الخالد والوداع الملحمي]
(يجلس حسام ويتناول الورقة والقلم، ثم يخرج الرسالة المكتوبة ويسلمها لأروى، لتتقدم أروى وتقرأ الرسالة بصوت متهدج ومؤثر ينبض بالفخر والحزن):
أروى (تقرأ نص الرسالة):

- «الوداعُ حين غلبة القدر، ويبقى الحبُّ شاهداً يطاول الزمن. أودّعكِ اليوم وأنا أمتلئ عزةً وشوقاً، ذاهباً إلى حيث يُنادي الواجب في جبال تعز ولحج وباب المندب، حاملاً بين أضلعي وطناً أذود عنه، وروحاً طاهرةً تسكنين أنتِ في أصفى زواياها. إنها حربٌ سُيقت إلينا من قوى الاستكبار وفرضتها الأقدار، وليس للرجل العسكريّ في ميدان الوغى إلا أن يلبي النداء مرفوع الهامة، ومن يدري.. قد تكون هذه كلماتي الأخيرة، أو تكون عودةً بنصرٍ أو شهادة. أستودعكِ الله الذي لا تضيع لديه الودائع، ويبقى حبكِ أمانةً في قلبي ما حييت.»
(يقف النقيب حسام شامخاً، يرتدي جعبته وسلاحه، ويلقي قصيدته العصماء بصوت جلي ورخيم يتردد صداه في أرجاء الدار):
حسام (يُنشِد):
وَدَاعاً وَفِي العَيْنَيْنِ شَوْقٌ وَلُوعَةٌ ... وَفِي القَلْبِ مِنْ بَعْدِ الفِرَاقِ جِرَاحُ
سَأَمْضِي إِلَى أَرْضِ المَعَارِكِ صَامِداً ... وَعِشْقُكِ فِي لَيْلِ الحُرُوبِ صَبَاحُ
إِلَى ذُرَى تَعِزٍّ وَلَحْجٍ تَبْتَهِلْ ... جِبَالٌ لَهَا عِنْدَ الكِفَاحِ صِلاَحُ
فَهِيَ الحُرُوبُ عَلَى الكِرَامِ تَكَرَّرَتْ ... زَفَّتْ لَهَا الأَحْرَارَ حِينَ صِلاَحُ
فَلَسْتُ أَنَا مَنْ يَسْتَكِينُ لِغَاصِبٍ ... وَلاَ صَارِمِي يَوْمَ الوَقِيعَةِ بَاحُ
أَنَا النَّازِلُ المَيْدَانَ تَعْرِفُ صَوْلَتِي ... مَدَافِعُ فِي أَوْجِ الوَغَى وَسِلاَحُ
فَإِنْ عُدْتُ يَوْماً فَاللِّقَاءُ مُطَهَّرٌ ... وَإِنْ حَانَ مَوْتِي فَالشَّهَادَةُ رَاحُ
لَئِنْ غِبْتُ عَنْ عَيْنَيْكِ يَا أَرْوَى الرَّجَا ... فَمَا غَابَ حُبٌّ فِي الفُؤَادِ يُلاَحُ
وَهَلْ يَغِيبُ عَنِ العُيُونِ إِذَا سَرَى ... بَدْرُ السَّمَاءِ وَالقَمَرُ الوَضَّاحُ؟
رَعَاكِ الَّذِي أَوْدَعْتُ عِنْدَ جَلاَلِهِ ... وِدَاداً صَفَاهُ لِلْقُلُوبِ فِلاَحُ
فَأَنْتِ أَمَانَاتِي وَأَنْتِ بَشَائِرِي ... إِذَا حَمِيَتْ بَيْنَ الجُنُودِ صِفَاحُ
تَأَجَّلَ عُرْسُ الحُبِّ فِي حَوْمَةِ الوَغَى ... لِيَزْهُوَ نَصْرٌ أَوْ يَضُوعَ كِفَاحُ
فَلاَ تَحْزَنِي إِنَّ الفِدَاءَ كَرَامَةٌ ... وَعِزُّ العَذَارَى أَنْ يَصُونَ كِفَاحُ
سَأَلْقَاكِ إِمَّا فِي الدِّيَارِ مُتَوَّجاً ... وَإِمَّا بَخُلْدٍ مَا لَدَيْهِ بَرَاحُ
فَصَبْراً جَمِيلاً يَا عَرُوسِي فَإِنَّنَا ... عَلَى عَهْدِ هَذَا المَجْدِ لَيْسَ نُزَاحُ
(يطوي الورقة ويتراجع الجميع بخجل وإكبار أمام هيبة الموقف القيادي).
أخو أروى (ينكس رأسه خجلاً ثم يتقدم ويشد على يد حسام بصدق):
سامحني يا حسام.. كنتُ واهماً، وأنت نِعم القائد والنكف والوافي. ارعَ أمانتك ونحن من خلفك.
أبو أروى (يمشي نحو حسام ويقبل رأسه):
بوركت يا بني وبورك أصلك القيادي! اذهب وقُد أرتالك برعاية الله وحفظه، وأبشر بامرأة تصون عهدك وأهلٍ يفخرون بك.
عزية (تتراجع بنبرة خافتة ملؤها الخجل والندم):
سامحني يا حسام.. الله يحفظك ويحفظ جندك والتعزيزات، وتعودوا سالمين لنفرح بكما.
الحاجة سعادة (ترفع يديها بالدعاء):
استودعتك الله الذي لا تضيع لديه الودائع يا بني.. قُد رجالكم وعتادكم وسدّد الله خطاكم، وعد لي مرفوع الرأس ومتوجاً بالنصر.
أروى (تنادي خلفه بنبرة حاسمة وممتلئة بالفخر وسط دموعها):
امْضِ يا نقيب حسام... صُن أرضك وعتادك وكرامتك، فإن عرْسَنا الحقيقي سيكون يوم يعود الوطن حراً عزيزاً!
(يخرج حسام بخطوات ثقيلة وواثقة ليوزع المهام وخطوط ومحاور السير ثم ليعتلي مقدمة القافلة العسكرية، وتُسلط الأضواء على أروى وهي تحتضن الرسالة والقصيدة على صدرها، بينما تُسدل الستارة على ألحان عسكرية شجية وكلمات حماسية للمؤلف).
[تُمَّتِ المَلْحَمَةُ المَسْرحِيَّةُ بِحَمْدِ الله — وتتبعها الحلقة الثالثة عشرة بإذنه تعالى]

حول الموقع

سام برس