سام برس
تظل ثورة 14 أكتوبر المجيدة لعام 1963م، التي انطلقت شرارتها الأولى من قمم جبال ردفان الشامخة بقيادة الشهيد البطل راجح بن غالب لبوزة، علامة فارقة ومضيئة في تاريخ اليمن المعاصر. فلم تكن تلك الشعلة المباركة مجرد رد فعل عابر على بطش الاحتلال البريطاني، بل كانت تتويجاً لوعي وطني جمعي أدرك مبكراً أن الحرية لا تُهب بل تُنتزع انتزاعاً، وقد مثلت هذه الثورة، إلى جانب شقيقتها الكبرى ثورة 26 سبتمبر المجيدة، الجناحين اللذين حلق بهما الشعب اليمني نحو فضاء الاستقلال والكرامة، لتلتحم ساحات النضال في الشمال والجنوب في معركة مصيرية واحدة ضد الإمامة والاستعمار.

من جبال ردفان إلى ترسيخ الاستقلال
انفجرت ثورة أكتوبر من بيئة جغرافية وبشرية صلبة؛ حيث تحولت جبال ردفان الحصينة إلى معقل للثوار ومقبرة للمستعمر.
- الشرارة الأولى: في الرابع عشر من أكتوبر 1963م، وقف الشهيد لبوزة ورفاقه الأبطال وقفة عز أعلنت نهاية عصر الوصاية الأجنبية وبداية الكفاح المسلح المنظم.

- التلاحم الوطني: ترابط أحرار اليمن من مختلف المناطق والمديريات في خندق واحد، فكانت دماء شهداء أكتوبر وسبتمبر مداداً لمسيرة التحرر التي توجت بالاستقلال الوطني الناجز في الثلاثين من نوفمبر 1967م.

- الأهداف الكبرى: رفعت الثورة شعارات واضحة لتقويض أركان الاستعمار وبناء يمنِ حر، عزيز، موحد، ومستقل في قراره وسيادته.
مفارقة الواقع: حين يتنكر الأبناء لمبادئ الآباء
لكن التاريخ الحقيقي لا يُقرأ فقط من خلال مجد البدايات، بل يُقاس بقدرة الأجيال على صيانة الأمانة وحراسة المكتسبات. وهنا تبرز المفارقة المؤلمة والمتمثلة في أن بعض أبناء وأحفاد أولئك الثوار الأحرار قد انحرفوا عن الوجهة، وباتوا اليوم " للأسف" يتعاملون بسلبية أو يتواطؤون ضد المبادئ العظمى لثورتي سبتمبر و أكتوبر ، متناسين حجم التضحيات الجسام التي قدمها آباؤهم وأجدادهم لكي يهنأ الوطن بالحرية والكرامة.

إن التنكر للمبادئ الوطنية والارتهان للمشاريع الصغيرة أو الأجندات الخارجية يعكسان تنكراً لتاريخ ناصع البياض، ويشكلان طعنة في ظهر التضحيات التاريخية التي أخرجت اليمن من ظلمات الوصاية إلى نور الاستقلال.

«لن ترى الدنيا على أرضي وصيا»: العهد الباقي
يبقى النشيد الوطني للجمهورية اليمنية بوصلة وطنية حية وضميراً ناطقاً يختزل عقيدة اليمني الأبي، حين يصدح بكلماته الخالدة:
- "لن ترى الدنيا على أرضي وصيا"
هذه العبارة ليست مجرد أبيات شعرية تُردد في المحافل، بل هي ميثاق شرف وعهد غليظ يلتزم به الأحرار. إنها تعبير صارم عن رفض اليمنيين الأبدي لأي وصاية أجنبية أو هيمنة خارجية، بغض النظر عن المبررات واليافعات، فالأرض اليمنية التي طردت المحتل الأجنبي وأسقطت عروش الكهنوت قادرة دائماً على إفشال كل محاولات الالتفاف على ثوابتها الوطنية.
خاتمة
إن الوفاء لدماء شهداء أكتوبر وسبتمبر لا يتمثل في الشعارات الموسمية، بل في حراسة الوعي الوطني، والوقوف بحزم ضد كل من تسول له نفسه العبث بمقدرات الوطن أو السير في ركب التبعية والوصاية. فالشعوب الحية لا تفرط في هويتها، وتاريخ الأحرار يظل دائماً أطول من أعمار الخائنين.

حول الموقع

سام برس