بقلم/ د.مصطفى الفقي
إنه الإقليم الذى تحتشد فيه المناسبات وتزدحم الذكريات وتتداخل الجغرافيا مع التاريخ حوله وتتعانق الحضارات والديانات ويحمل اسم «الشرق الأوسط»، وقد كانت وزارة المستعمرات البريطانية على عهد ونستون تشرشل تطلق على تلك المنطقة تعبير «الشرق الأدني» بإذاعتها الموجهة للعرب والحديث عن العلاقة الوثيقة بين الشرق الأدنى وبقية المستعمرات، وكان الأبطال على المسرح الدولى هم مجموعة من الخبراء الأجانب والشخصيات التاريخية التى لعبت أدوارًا فى التوفيق بين الممالك والمستعمرات، ويعد «لورانس العرب» أكبر مثال يجسد دور تلك الأطراف التى سعت لتشكيل شخصية الشرق الأوسط وتطوير إمكاناته، ومع انهيار الدولة العثمانية وتوزيع تركة «الرجل المريض» بين القوى السياسية والتيارات الفاعلة فى المنطقة برز «الهاشميون» فى المشرق العربى و«السعوديون» فى الجزيرة العربية والمصريون فى شمال وادى النيل وجنوبه، فضلاً عن الحركة المهدية فى السودان و«السنوسية» فى ليبيا و«الوهابية» فى شبه الجزيرة العربية، حتى جرت صراعات وصدامات انتهت بالخريطة الجديدة للشرق الأوسط والتى جرى ختام صفحتها السوداء بتصريح بلفور عام 1917 الذى أعطى بالفعل وعدًا ممن لايملك لمن لا يستحق، وتأججت نيران المواجهة بين العناصر الوطنية من فلسطين وباقى الأقطار العربية والمد الصهيونى على الجانب الآخر الذى بدأ ينشر خلاياه السرطانية على أرض فلسطين وماحولها، وبدا جليًا أن نقلة نوعية لحركة الاستعمار الجديد من شكله التقليدى إلى موقعه الحديث قد بدأت تظهر على السطح، فبينما كان الاستعماران الفرنسى والبريطانى قد دخلا مرحلة الشيخوخة، إذا بالاستعمار الأمريكى بغطائه الإمبريالى المعاصر يزحف على المنطقة بجيش من المفكرين والكتاب الجدد تحت مسميات مختلفة مثل الإرساليات التبشيرية والمؤسسات التطوعية تسعى كلها لشق الصف العربى وفقًا للمقولة البريطانية التقليدية (فرق تسد).

ورغم ذلك كله اشتعلت نيران الثورة التى بلغت ذروتها فى مصر عام 1919، ثم امتدت إلى مناطق أخرى فى الفضاء العربى الواسع مشرقه ومغربه. وتسارعت قوى مختلفة من الدول الكبرى فى مزاحمة الوجود الأمريكى الذى رفع بعد الحرب العالمية الثانية شعار الرئيس إيزنهاور ترويجا لمبدئه الشهير الذى يتحدث عن نظرية الفراغ فى الشرق الأوسط، وظهرت دول فاعلة فى المنطقة أصبح لها تأثير واضح حيث نجحت الحركة الوحدوية فى جمع الحجاز ونجد وغيرهما من أراضى جزيرة العرب المترامية، وأدى ظهور النفط فى صحاريها إلى قفزة هائلة فى الثروة مكنت من ميلاد المملكة العربية السعودية رسميًا عام 1932 وبروز قوة دول الخليج العربى بقيادتها على مسرح الأحداث لتلعب دورًا مؤثرًا تبدو ملامحه الواضحة فى الأوضاع الراهنة على امتداد خريطة العالم العربي، إننى أود أن ألخص ما أقوله فى نقاط محددة:

أولاً: إن التزاوج بين حضارة النهر وحضارة الصحراء قد أدى إلى بروز هوية جديدة انصهرت فى إطارها الهوية القومية وساندتها مظاهر متعددة تعكس الرغبة فى تحقيق ما تتطلع إليه الشعوب فى مرحلة تصفية الاستعمار، وتأكيد التحرر الوطني، بل والإصلاح الاجتماعى أيضًا تماشيًا مع الحركة العالمية للنهوض والارتقاء، وانتشار المد التحررى انطلاقًا من العاصمة المصرية بقيادة قائد ثورة يوليو 52 جمال عبد الناصر، وظلت تلك البقعة المهمة ذات تأثير متزايد سعيًا وراء القوة الاقتصادية التى مهد لها البترول العربى والعطاء الثقافى الذى جسدته القيم الروحية فى المنطقة أو الأرض التى انطلقت منها دعوات التوحيد بدءًا من إخناتون وديانته ثم تابعيه ممن آمنوا برؤيته وتحمسوا لمنطق التوحيد الذى جاءت به الديانات السماوية وتميزت باحتوائه أقطار الشرق الأوسط .

ثانيًا: إن هذا الإقليم هو أقرب بقاع الشرق لأوروبا شرقها وغربها، كما أنه المعبر الوحيد الذى يسمح بالجوار الجغرافى بين الحضارات القديمة والحديثة لذلك فإن التأثير المتبادل بين أوروبا والشرق الأوسط هو تأثير ملحوظ فى حياة الروح الباقية لذلك الإقليم المزدهر الذى يضم شرق المتوسط وشواطئ الشمال الإفريقي، بحيث أصبحت رحلة الإنسان وسط العالم تتركز تقريبًا فى منطقة الشرق الأوسط. حيث بحيرة الحضارات القديمة منذ الحضارة المصرية العريقة مرورًا بحضارتى اليونان والرومان، كذلك فإن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل إن الأماكن المقدسة فى الجزيرة العربية وفلسطين وغيرها تمثل ثروة ضخمة للتراث الروحى بكل معانيه ومظاهره.

ثالثًا: إن منطقة الشرق الأوسط هى التى تتعانق فيها الديانات السماوية الثلاث وتزدحم بأهل الكتاب وتتألق بالمآذن والقباب والأبراج، ومن عجب أن تلك المنطقة الذهبية الغالية هى الآن بؤرة العديد من الصراعات والمشكلات رغم كونها وريثة الحضارات التى قامت ثم بادت حتى لو ازدهرت إلى حين. فالخلود لله وحده.
نقلاً من صفحة الكاتب - منصة أكس

حول الموقع

سام برس