بقلم/ مها عبد القادر
تعد أعظم المعارك تلك التى تدور فى أعماق الإنسان؛ حيث يواجه ضعفه، وتردده، وشهواته، ومخاوفه، فهى معركة صامتة، تحسم مسار الحياة بأكملها، حيث يعد جهاد النفس أصل كل انتصار؛ لأن من يملك زمام ذاته، ويضبط انفعالاته، ويتحكم فى رغباته، يملك القدرة الحقيقية على صناعة مصيره، ومن ثم فالصيام يهتم بتدريب الإرادة، حيث يعيد ترتيب أولويات الإنسان، ويتعلم من خلاله أن القوة تُقاس بما يستطيع أن يترك، وأن الحرية تكمن فى القدرة على ضبط الشهوات، وفى ضوء هذا التدريب اليومى تنمو فضائل كبرى؛ فيتربى الإنسان على الصبر، ويترسخ الانضباط، ويعتاد احتمال المشقة دون تذمر، ويكتسب صفاءً داخليًا يمنحه ثباتًا أمام التحديات وتقلبات الحياة.
ولقد شهد شهر رمضان محطاتٍ فارقة فى تاريخ الأمة، تجلّى فيها تلاقى الإيمان بالفعل، والتخطيط، والإرادة، ففيه وقعت غزوة بدر، حيث واجهت قلةٌ مؤمنة قوة تفوقها عددًا وعدة، غير أن الإيمان المنضبط والثبات الراسخ كانا عنصر الحسم فى تلك المواجهة الفاصلة، وفيه كذلك تم فتح مكة، إيذانًا بانتصار القيم على سنوات من الاضطهاد، وترسيخًا لمرحلة جديدة قامت على العفو وترسيخ المبادئ، وعلى امتداد التاريخ، ظل الشهر الكريم شاهدًا على معارك كبرى مثل حطين وعين جالوت، حيث التقت الإرادة الروحية بالتخطيط العسكرى المحكم، فكان النصر ثمرة هذا التوازن بين الإعداد المادى والاستعداد المعنوى.
وسطر العاشر من رمضان صفحةً مضيئة فى تاريخ مصر والأمة العربية. فقد خاض الجيش المصرى حرب أكتوبر بروحٍ استمدت من الإيمان والانضباط مما دعم الثقة واليقين، فحقق تحولًا استراتيجيًا أعاد التوازن إلى الصراع، وكسر أسطورة التفوق المطلق، فمثل عبور قناة السويس إنجاز عسكرى وعبورًا نفسيًا من مرحلة الجمود إلى المبادرة، ومن أثر الهزيمة إلى استعادة الثقة، وهكذا يتأكد أن الإرادة حين تبنى على إعداد محكم وتخطيط واعى، تصبح قادرة على تحقيق ما يبدو مستحيلًا، فالنصر نتاج رؤية استراتيجية، وتنسيق دقيق، واستعداد نفسى ومعنوى تصنع التاريخ.
وامتدت آثار انتصار أكتوبر من الميدان العسكرى، إلى المجال السياسى، ففتحت مسارًا تفاوضيًا أعاد رسم ملامح المنطقة وأعاد ترتيب توازناتها، وهكذا تحول الإنجاز العسكرى من حدث ميدانى إلى مدخل لتحولات استراتيجية، أثبتت أن القوة الحقيقية تكتمل بحكمة إدارتها، وأن النصر يبلغ مداه حين يحسن توظيفه فى صناعة واقع جديد، كما أكدت تلك المرحلة أن السلام العادل يبنى على موقف قوى، ورؤية استباقية قادرة على تحويل منجزات المعركة إلى مكاسب سياسية مستدامة، ومن ثم أصبح الانتصار نقطة انتقال من منطق الصراع المفتوح إلى أفق التفاوض المدعوم بالثقة والندية، ومن ثم رسخ هذا الحدث فى الوعى العربى الثقة بالقدرة على استعادة الأرض والكرامة، وأعاد الاعتبار لفكرة أساسية مفادها أن الأمة قادرة على تجاوز المحن، متى امتلكت وضوح الهدف، ووحدة الصف، وحسن التخطيط، والإرادة الصلبة القوية التى تجمع بين القوة والحكمة.
ويبقى رمضان شهرًا كريمًا تتجدد فيه معانى العزة والسمو، وتتجلى فيه دلالات الصبر والانتصار، فيعد مصدر إلهام متجدد للأجيال، ويذكرنا بأن النصر مسار متكامل يبدأ بإصلاح الداخل، وتهذيب النفس، وترسيخ اليقين، ثم يتعزز ببناء القوة، وحسن الإعداد، وتماسك الصف، لينتهى بصناعة مستقبل يليق بحجم التضحيات وعظمة التحديات، وفى ذكرى العاشر من رمضان، تتجدد مشاعر الفخر والاعتزاز بقواتنا المسلحة المصرية، التى أظهرت فى ميادين القتال أسمى معانى الانضباط والتضحية والفداء، وقدمت نموذجًا خالدًا فى الإعداد المحكم والإرادة القوية والعزيمة الصلبة، كما نستحضر دور القيادة التى أحسنت إدارة مرحلة دقيقة من تاريخ الوطن، فجمعت بين الشجاعة فى القرار والحكمة فى التقدير، وحولت التحدى إلى فرص لاستعادة الأرض وصون الكرامة.
ونقف بإجلال فى هذه المناسبة المباركة، أمام شهدائنا الأبرار، الذين بذلوا أرواحهم الطاهرة دفاعًا عن الأرض والعِرض والكرامة، وخلدوا أسماءهم فى سجل المجد والبطولة، لقد ارتقوا ليبقى الوطن مرفوع الهامة، عزيزًا بين الأمم، مصداقًا لقوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169)، ومن ثم يظل رمضان شاهدًا على أن الإيمان إذا اقترن بالعمل، والإرادة إذا ساندها التخطيط، فإنهما يصنعان تاريخًا خالدًا، ويغرس فى وجدان الأمة يقينًا دائمًا بأنها قادرة، بإذن الله، على أن تحمى أرضها، وتصون كرامتها، وتبنى مستقبلها بثقة وعزة واستقامة.
ونؤكد أن أعظم الدروس التى يهبها لنا تاريخ شهر رمضان أن النصر الحقيقى يبدأ من الداخل؛ من تلك المساحة الخفية فى وجدان الإنسان حيث تتشكل الإرادة، ويتحدد الاتجاه، وتتجدد العزيمة، فهناك تحسم المعركة الأولى، وتتأسس القدرة على الثبات والمضى، فالصيام منهج إعداد دائم، يعيد صياغة علاقات الإنسان، ويعلمه كيف يملك زمام رغباته، ويضبط انفعالاته، ويصبر على الطريق مهما طال أو اشتدت وعورته، وفى مدرسة رمضان يتدرب المرء على الوعى الرشيد، فيرتقى من أسر العادة إلى فضاء الاختيار، ويكتشف أن الحرية الحقيقية تكمن فى القدرة على التحكم وضبط الأهواء، ومن ثم يتجلى جهاد النفس فهو الأساس الذى يقوم عليه كل بناء، وإصلاح، وإنجاز.
فلا يستقيم فعل ما لم تستقم النية وتستقر الإرادة؛ فإذا صلحت النفس استقام الفعل، وإذا استقامت الإرادة، تحققت الأهداف، وإذا اجتمع الإيمان الصادق مع التخطيط الواعى والعمل المنظم، ولدت الانتصارات التى لا يحدها زمن ولا تمحوها تقلبات الأحداث، فالنصر ثمرة إعداد طويل يبدأ بتهذيب الروح، ويمتد إلى إحكام الأسباب، وبالتالى يبقى رمضان مدرسة النصر الكبرى؛ نصر على الأهواء وبناء الداخل، ومن أدرك ذلك استطاع أن يصنع تاريخًا من العزة والإنجاز، ويحول الإيمان إلى قوة فاعلة فى مسار الحياة.
نقلاً عن اليوم السابع


























