سام برس
*قراءة في البعد الحقوقي والإنساني لقصيدة القاضي الدكتور حسن الرصابي*
*1. المقدمة: فقه المواجهة وأنسنة الصراع*
في هذا النص الباذخ، ينتقل الشاعر والفقيه *القاضي الدكتور حسن الرصابي* من الوعظ الأخلاقي العام إلى "النقد السياسي والحضاري" الصارم. يضع الشاعر ميزان العدالة النبوية في كفة، وميزان "القوى المتغطرسة" في كفة أخرى، كاشفاً زيف الشعارات الدولية التي تتباكى على حقوق الإنسان بينما تمارس أبشع صور الإبادة. إن استحضار مآسي التاريخ (هيروشيما وناجازاكي) وربطها بصلف القادة في العصر الحديث، يهدف إلى تعرية "ازدواجية المعايير" التي تبيح للمعتدي ما تحرمه على الضحية، مؤكداً أن الحق يحتاج إلى قوة تحميه، وأن القوة بلا أخلاق هي "سقوط إنساني" مهما تدثرت بالرقي التقني.
### *2. القصيدة*
1- يَـقُولُ الـحَقُّ في صَـوتٍ جَـلِيِّ ... وَمَـا كَـانَ الـهُدَى بـالـدَّمَـوِيِّ
2- رَسُـولُ اللهِ سَـنَّ الـعَـدْلَ شَـرْعاً ... لِـيَـحْـمِي الـنَّـفْـسَ بـالـنُّـورِ الـنَّـبِـيِّ
3- فَـلا تَـقْـتُـلْ صَـغِـيراً أوْ عَـجُـوزاً ... وَلا أُنْـثَـى بِـقَـلْـبٍ جَـلْـمَـدِيِّ
4- وَصَانَ الشَّـجْرَ مِنْ غَـدْرِ الأَيَـادِي ... وَحَـتَّى الطَّـيْرَ في الـغُـصْنِ الـنَّـدِيِّ
5- وَحَـرَّمَ هَـدْمَ أَدْيَـارٍ تُـصَلِّي ... بِـإِخْـبَاتٍ لِـذِي الـعَـرْشِ الـعَـلِـيِّ
6- وَمَـنْ يَـكُ في حِـبَـالِ الأَسْـرِ يَلْقَى ... عَـطَاءً مِنْ رَحِـيـمٍ أَرْيَـحِـيِّ
7- هُـوَ الإِسْـلامُ مِـيـثَـاقٌ غَـلِيظٌ ... يُـسَـامِي الـنَّـجْمَ في الأُفُـقِ الـبَـهِيِّ
8- فَـأَيْنَ الـعَـدْلُ في عَـصْرٍ تَـمَادَى ... بـكَـيْلٍ فـاسِـدٍ .. نَـطِـفٍ .. رَدِيِّ؟
9- مَـوَازِيـنٌ لَـدَيْـهمْ قَـدْ أَخَـلَّتْ ... بـحَـقِّ الـنَّـاسِ في الـظِّـلِّ الـوَنِـيِّ
10- يـسُـومُونَ الـشُّـعُوبَ لَـظَى هَـوَانٍ ... بـقَـولٍ فِـيـهِ نَـفْـخُ الـمُـدَّعِـيِّ
11- نَـرَى "الـفِـيتُو" سِـلاحاً لِـلْـخَـطَايَا ... وَذَبْـحُ الـحَـقِّ بـالـزُّورِ الـقَـوِيِّ
12- بـأَمْـسِـهِمُ أَبَـادُوا بـالـرَّزَايَـا ... نَـاجَازَاكِي.. هِـيرُوشِيمَا.. بـالـعَـتِيِّ
13- رَمَـوا نَـاراً تُـصِـيـبُ الـنَّـسْلَ سُـمَّاً ... وَتَـمْـحُو مَـفْـخَرَ الـمَـاضِي الـقَـصِيِّ
14- وَعَـادُوا الـيَـومَ في صَـلَفٍ وَكِـبْرٍ ... بـتَـهْـدِيـدٍ لِـتَـدْمِـيرٍ كُـلِـيِّ
15- بـأَنَّ الـشَّـعْبَ يُـسْـحَقُ دُونَ رُحْـمٍ ... وَتُـمْـحَى الأَرْضُ بـالـفِـعْـلِ الـغَـوِيِّ
16- أَمَـا اسْتَحْيوا مِـنَ الـتَّارِيـخِ لَـمَّا ... أَقَـرَّ الـنُّـبْلَ لِـلْـهَـادِي الـتَّـقِيِّ؟
17- رَأَى الـغَـرْبِيُّ في الإِسْلامِ نُـبْلاً ... بَـرِيئاً مِنْ ضَـلالاتِ الـمُـدِيِّ
18- فَـمَا "جِـنِـيفُ" في الآدَابِ إِلا ... صَـدَىً لِـلْـفِـقْـهِ وَال--نَّـهْـجِ ال--سَّـوِيِّ
19- فَـإِنَّ الـحَـقَّ أَبْـلَـجُ لا يُ--وَارَى ... بِـزَيْـفِ الـنَّـاطِـقِ ال--مُـتَـشَـهْـوِيِّ
20- عَـدَالـتُـنَـا مَـنَـارٌ لِـلْـبَـرَايَـا ... وَدِيـنُ اللهِ طُـهْـرٌ سَـرْمَدِيِّ
21- بـنَـاهُ الـمُـصْطَفَى حُـبَّـاً وَنُـوراً ... لِـيُـنْـقِذَ كُـلَّ مَـكْـرُوبٍ شَـجِـيِّ
22- سَـيَ--بْـقَى شَـرْعُـنَا عَـلَـماً مُ--فَـدَّى ... رَغِـيـمَ الأَنْـفِ لِـلْ--خَـصْمِ ال--دَّعِـيِّ
23- فَـصَلِّ عَـلَى الـذي أَرْسَى نِ--ظَاماً ... رَحِـيـماً، عَـادِلاً، حُ--رَّاً، بَـهِيِّ
### *3. التحليل الموضوعي: مرافعة في "محكمة الضمير"*
تتدرج القصيدة في طرحها لتصل إلى ذروة الصراع الفكري عبر ثلاثة محاور:
* *أصالة التشريع (الرحمة المستدامة):* في الأبيات الأولى، يؤسس الرصابي لـ "قانون حرب" إسلامي يتجاوز حماية البشر إلى حماية البيئة والشجر ودور العبادة.
* *صدمة التاريخ والواقع (المقابلة الصارخة):* استدعاء "ناجازاكي وهيروشيما" يبرز التناقض بين من يدعي "الرقي" وبين "النبل النبوي" الذي يقر به المنصفون.
* *نقد الهيكلية الدولية والكيل بمكيالين:* يسلط الضوء على أدوات الظلم الحديثة (كالفيتو)، واصفاً إياها بأنها "سلاح للخطايا".
### *4. النقد الأدبي والجمالي*
* *القاموس الشعري:* تميزت القصيدة بـ "الجزالة الفخمة" واستخدام مفردات ذات كثافة دلالية عالية (جلمدي، إخبات، نطف ردي).
* *الوحدة الشعورية:* ظل "خيط الرحمة" ناظماً للأبيات، مما جعل القصيدة وحدةً عضوية واحدة تبدأ بالعدل وتنتهي بالصلاة على مرسي دعائمه.
* *القوة التعبيرية:* نجح الشاعر في تحويل الموقف السياسي إلى حالة أدبية رفيعة، تعري خطاب القوة الغاشمة ببيان شعري رصين.
### *5. الخلاصة: الرصابي وشهادة الحق من منطلق معرفي*
يختم الدكتور *حسن الرصابي* نصه برسالة مدوية: إن العالم اليوم يعيش "تصحراً أخلاقياً" رغم التقدم المادي. وما يعطي هذه القصيدة عمقها، هو أنها تنبع من خلفية المؤلف البحثية الراسخة؛ فالدكتور الرصابي، بوصفه صاحب *"سلسلة الحقوق والحريات في الإسلام"*، استطاع أن يختزل مجلداته الحقوقية السبعة في هذه الأبيات، ليقول للعالم: إن "جنيف" ليست إلا "صدىً" لفيض النبوة، وأن أي حضارة تبنى على دماء الضعفاء هي حضارة آيلة للسقوط أما البقاء فهو للأطهر والعدل الأبدي.


























