بقلم/ محمد أمين المصرى
ثمة مشهد يستحق التأمل حيال ما يجرى بين واشنطن وطهران، فمن أشعلت فتيل الحرب تجلس الآن منزوية، فيما ترامب يتفاوض على إنهائها، بشروطه لا شروط تل أبيب. نيتانياهو أقنع ترامب بضرب إيران، ونجح فى تصويرها تهديدا وجوديا يستدعى ضربة أمريكية فورية، وقدم الاستخبارات، وأبرم الاتفاقيات، حتى اندفع ترامب بـ«عملية العنف الملحمي» فى فبراير. الضربات انطلقت، وخامنئى وغيره اغتيلوا. وحين جاء وقت قطف الثمار، اختفت إسرائيل من المشهد كأنها لم تكن يوما شريكا، لتجد نفسها خارج قاعة التفاوض فى إسلام آباد، بقرار أمريكى صريح.

حين أدرك ترامب أن صورته باتت صورة من جره حليفه إلى مستنقع، أقصى إسرائيل عن مفاوضاته وأمسك بملف الحرب وإنهائها بيده، إدراكا بأنه يدفع ثمن حرب لم تكن حربا أمريكية. وهنا يتجلى جوهر تصريح ريد روبينشتاين، المستشار القانونى للخارجية الأمريكية، فى 21 أبريل الماضي: «الضربات الأمريكية جاءت بناء على طلب حليفتنا إسرائيل ودفاعا مشتركا عنها»، ثم ينفى ترامب مرارا: «إسرائيل لم تجرنى إلى هذه الحرب».

المفارقة الأكبر لا تكمن فى واشنطن، بل فى إيران، تخرج من المأزق رغم كل ما دمرته الحرب، فى موقع لم تتخيله قبل أشهر، لم تنهر، ولم يسقط نظامها، واليورانيوم المخصّب لا يزال موضع تفاوض، ومخزون صواريخها الباليستية لم يتأثر. والاتفاق الذى تلوح بشائره الآن، لن يكون انتصارا إسرائيليا، ونيتانياهو يجد نفسه أمام ناخبيه أنه ورط بلاده فى حرب هائلة الكلفة، لينتهى المطاف بصيغة تتشابه جوهريا مع الاتفاق النووى 2015 الذى بذل نيتانياهو كل طاقته لإجهاضه.

والأهم..إيران لم تبدأ هذه الحرب، ووجهها الدبلوماسى فى أوروبا يزداد بريقا، إذ رفضت دول القارة الانجرار إلى حرب لم تقتنع بضرورتها. ما منح إيران ورقة قانونية وأخلاقية ثمينة للمطالبة بتعويضات عن الأضرار بما يتجاوز 270 مليار دولار، وهو مطلب لن تتخلى عنه بسهولة.

كما تخرج طهران بعد قراءة المشهد بعين «المنتصر غير المُعلن»، فهى صمدت فى مواجهة جيشين قويين، وحافظت على تماسكها الداخلى رغم الانقسام، وباتت قادرة على تقديم نفسها بوصفها القوة الإقليمية الأولى. التساؤل التاريخي: «هل تنتهى حرب شنتها إسرائيل بنار أمريكية، لتجنى إيران ثمارها الدبلوماسية؟

الجواب قد يكون: «نعم».. من أشعل الحرب يجنى رمادها.

نقلاً عن الاهرام

حول الموقع

سام برس