بقلم/ القاضي الدكتور حسن حسين ال
لم تكن قراصنة البحر، ولا عواصف الأنواء هي من اعترضت "أسطول الصمود العالمي" في عرض البحر الأبيض المتوسط؛ بل كانت غطرسة الكيان الصهيوني التي تجرأت — كالعادة — على خرق القانون الدولي والاعتداء السافر على مأمورية مدنية إنسانية في المياه الدولية. هذه المأمورية التي شارك فيها أحرار العالم من عشرات الدول، جاؤوا مخرخرين عباب البحر لكسر الحصار الظالم عن قطاع غزة المذبوح، فواجههم الاحتلال بالرصاص، والاعتراض العسكري، واحتجاز مئات الناشطين وإهانتهم؛ واستخدام أبشع الجرائم بما في ذلك الاغتصاب والضرب في تحدٍّ صارخ لكل الأعراف والمواثيق الدولية.

لكن المشهد الأشد مرارة خلف هذا الاعتداء المتغطرس، ليس في وقاحة السلوك الصهيوني المعهود، بل في ذلك السؤال الاستراتيجي، والأخلاقي، والشرعي الحارق الذي يقذف بنفسه اليوم أمام الأمتين العربية والإسلامية: *أين هو الدور العربي والإسلامي الرسمي في خضم هذه المأساة المستمرة؟*

- صمودٌ من خلف البحار.. وإذعانٌ على حافة الجوار!
إن المفارقة التاريخية المخزية تتجسد اليوم في أن الضمير العالمي الشعبي تحرّك من شواطئ قارات بعيدة، وأبحر لأسابيع متحدياً التهديدات العسكرية من أجل غزة، في حين تقف العواصم القريبة — التي تملك الروابط الأخوية والحدود الجغرافية — موقف المتفرج المذعن.

بينما تقود دول شتى من مختلف قارات العالم جبهة إدانة دولية واسعة تصف الاعتداء الإسرائيلي بالقرصنة المنظمة، يلوذ الجوار الإقليمي الرسمي بصمتٍ مريب. لم يعد الأمر يقتصر على العجز الفني أو الدبلوماسي، بل وصل إلى درجة "الإذعان الممنهج" لغطرسة المحتل، وكأن دماء الشهداء اليومية، وتدنيس المقدسات في القدس وفلسطين، وانتهاك الحرمات، باتت مجرد تفاصيل اعتيادية لا تحرك في قادة الأمة ساكناً.

- أوهام "الضمانات" وتبخر وعود "إعادة الإعمار"
أين هي الوعود الدولية؟ وأين المشرفون على ملفات "وقف إطلاق النار وإعادة الإعمار" بقيادة الإدارة الأمريكية والرئيس ترامب؟ وأين القيادات العربية والإسلامية التي وضعت نفسها في خانة "الشاهد والضامن" على المبادرات والتسويات؟
تثبت مجريات الأحداث الحالية أن كل تلك العناوين البراقة لم تكن سوى مسكنات سياسية تمنح الاحتلال الوقت الكافي لاستكمال حرب الإبادة والتهجير. فالقصف لم يتوقف، والقتل مستمر، والاستهداف يحصد البشر والحجر، والمقدسات تُستباح بلا رادع، ولا حسَّ ولا خبر من الضامنين. إن الركون إلى الضامن الأمريكي — الذي يمد الكيان بأدوات الموت الفتاكة — هو خطيئة سياسية كبرى، والاعتماد على وعود "إعادة الإعمار" قبل وقف القتل وكسر الحصار هو ارتهانٌ للأوهام وسيرٌ في سراب التنازلات.

- المطلوب فوراً: كسر الاستسلام قبل كسر الحصار
إن ما جرى مع "أسطول الصمود" يسقط ورقة التوت الأخيرة عن شرعية المنظومة الدولية، ولكنه يضع الحكومات والشعوب العربية والإسلامية أمام مسؤوليتها الدينية والتاريخية والدستورية، ويستوجب تحركاً فورياً يتجاوز مربع العجز:
* *أولاً: تجاوز لغة البيانات الباهتة:* لم تعد التنديدات الدبلوماسية تسمن ولا تغني من جوع؛ المطلوب هو إجراءات سياسية واقتصادية رادعة، وقطع كامل وصارم لكل أشكال العلاقات مع هذا الكيان المارق.

* *ثانياً: تفعيل أوراق الضغط السيادية:* تملك الأمتان العربية والإسلامية مضائق بحرية استراتيجية، وثروات اقتصادية هائلة، ونفوذاً جيوسياسياً كفيلاً بإجبار الإدارة الأمريكية والاحتلال على وقف العدوان فوراً، وفتح المعابر برّاً وبحراً دون قيد أو شرط.

* ثالثاً: استنهاض الخطاب الديني والقومي:* يجب تفعيل المنابر والمنابر الفكرية لتوعية الأمة بخطورة المؤامرات الصهيونية التي تستهدف المنطقة بأسرها، وتعرية المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية.
- . خاتمة
إن "أسطول الصمود" بعث رسالة واضحة لكل ذي بصيرة: الحصار المفروض على غزة ليس حصاراً بحرياً صهيونياً فحسب، بل هو حصارٌ مفروض على الإرادة العربية والإسلامية الرسمية. وإذا استمرت حالة الصمت والقبول بانتهاك الحرمات والمقدسات، فإن التاريخ لن يرحم المتخاذلين، وسيسجل في صفحاته السوداء أن ناشطين أحراراً من أقاصي الأرض امتلكوا من الشجاعة لركوب البحر نحو غزة، ما لم تمتلكه دولٌ وجيوشٌ ترتع تحت عباءة الإذعان. لقد حان الوقت لانتشال القرار العربي والإسلامي من مستنقع التبعية، فالقدس تنادي، وغزة تنزف، والتاريخ لا ينتظر الواهمين

حول الموقع

سام برس