بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
يمثل الرئيس عبدربه منصور هادي الحلقة الاخيرة التي تربط بين الشرعية اليمنية التي نشأت عقب المبادرة الخليجية وبين الترتيبات السياسية والعسكرية التي افرزتها سنوات الحرب. ورغم ان مجلس القيادة الرئاسي تسلم كامل صلاحياته بموجب اعلان نقل السلطة في ابريل 2022 فان غياب هادي سيعيد الى الواجهة اسئلة مؤجلة حول مصدر الشرعية ومستقبل المؤسسات التي قامت على اساسها ولن يكون الجدل هذه المرة قانونيا فقط بل سيشمل اعادة رسم موازين القوى داخل المعسكر المناهض للحوثيين وبين القوى الاقليمية الداعمة له.
ومع ذلك فان هناك اتجاها سياسيا وقانونيا يرى ان مجلس القيادة الرئاسي اكتسب شرعيته بصورة مستقلة منذ لحظة انتقال السلطة اليه وان استمراره لا يرتبط ببقاء هادي على قيد الحياة بل بالتوافقات التي انشأته والاعتراف الاقليمي والدولي الذي يحظى به ووفقا لهذا الفهم فان المجلس لا يفقد شرعيته الا من خلال تسوية سياسية شاملة او اتفاق وطني جديد يعيد صياغة مؤسسات الدولة وليس نتيجة حدث شخصي يتعلق بالرئيس السابق ولهذا تبدو اي محاولة لانهاء المجلس او تجاوزه محفوفة بمخاطر سياسية وقانونية قد تؤدي الى فتح ازمة شرعية جديدة بدلا من حلها.
وفي المقابل قد تظهر اصوات تدعو الى العودة الى التفسيرات الدستورية التقليدية باعتبارها المخرج القانوني من اي فراغ محتمل غير ان هذا الطرح يواجه اشكاليات عديدة تتعلق بشرعية المؤسسات نفسها بعد سنوات الحرب والانقسام كما ان الاحتكام الانتقائي للنصوص الدستورية قد يفتح الباب امام طعون متبادلة حول شرعية مختلف المؤسسات والقيادات القائمة ولذلك فان اي جدل حول من يملك الحق في تمثيل الشرعية قد يتحول الى صراع سياسي مفتوح حول تفسير الشرعية ذاتها بدلا من ان يكون حلا للازمة.
وفي قلب هذه التعقيدات يبرز وضع حزب الاصلاح باعتباره احد اكثر القوى السياسية ارتباطا بمنظومة الشرعية التي تشكلت خلال السنوات الماضية فقد استمد الحزب جزءا كبيرا من حضوره السياسي والاداري والعسكري من موقعه داخل مؤسسات الدولة المعترف بها دوليا ولذلك فمن المتوقع ان ينظر بحذر الى اي ترتيبات جديدة قد تعيد توزيع مراكز القوة داخل المعسكر المناهض للحوثيين او تفتح المجال امام صعود مراكز نفوذ جديدة على حسابه ومن هذا المنطلق قد يجد الحزب نفسه من اكثر القوى تمسكا باستمرار مجلس القيادة باعتباره الصيغة التي تحفظ التوازنات القائمة وتمنع انتقال السلطة الى طرف واحد او معسكر سياسي بعينه.
كما ان اي نقاش حول مستقبل الشرعية بعد هادي سيعيد الى الواجهة اسماء وشخصيات من داخل المؤتمر الشعبي العام ومن محيط النظام السابق لكن اهميتها لن تنبع من مواقعها الشخصية بقدر ما ستعكس محاولات البحث عن بدائل سياسية في حال تعرضت شرعية مجلس القيادة للاهتزاز غير ان فرص اي طرف في التقدم الى واجهة المشهد ستظل مرتبطة بقدرته على توفير مظلة شرعية مقبولة داخليا وخارجيا وليس بمجرد امتلاكه نفوذا سياسيا او عسكريا ولهذا فان جوهر الصراع لن يكون بين اشخاص او تيارات بقدر ما سيكون حول المرجعية التي ستمنح السلطة المقبلة شرعيتها.
اما على المستوى الاقليمي فان مستقبل مجلس القيادة الرئاسي بعد غياب هادي لن يتحدد فقط وفق الحسابات اليمنية الداخلية بل سيتأثر ايضا بتباين اولويات القوى الاقليمية المنخرطة في الملف اليمني فالسعودية تنظر الى الشرعية من زاوية الحفاظ على الاستقرار ومنع انهيار الاطار السياسي الذي تتعامل معه منذ سنوات بينما تمتلك الامارات رؤى مختلفة تجاه شكل السلطة وتوزيع النفوذ داخل المعسكر المناهض للحوثيين كما ان سلطنة عمان وايران والقوى الدولية المعنية بالملف اليمني لكل منها مصالح وحسابات قد لا تتطابق بالضرورة مع رؤية الاطراف اليمنية ومن ثم فان اي فراغ سياسي او جدل حول الشرعية قد يتحول الى ساحة تنافس بين مشاريع اقليمية متعددة الامر الذي يجعل معالجة مرحلة ما بعد هادي اكثر تعقيدا من مجرد حسم دستوري او سياسي داخلي ولهذا فان استقرار الشرعية ومستقبل مجلس القيادة سيظلان مرهونين بقدرة اليمنيين على انتاج توافق وطني واسع وبقدرة الفاعلين الاقليميين على دعم هذا التوافق بدلا من تحويله الى ساحة جديدة للصراع على النفوذ والمصالح.


























