بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
في ظل الانسداد السياسي والحرب الممتدة والتدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه اليمن تبرز الحاجة إلى مبادرة وطنية جادة تتجاوز منطق الصراع والمكاسب الآنية وتدعو جميع اليمنيين إلى التفكير بصوت عالٍ حول مستقبل بلدهم فاليمن لم يعد يحتمل المزيد من المراوحة في دوامة الحرب كما أن استمرار الأوضاع الحالية يعني اتساع معاناة المواطنين وتآكل ما تبقى من مؤسسات الدولة والنسيج الاجتماعي.
إن المبادرة المطلوبة اليوم ليست مجرد دعوة للحوار التقليدي بين القوى المتصارعة بل دعوة مفتوحة للعقول الوطنية والكفاءات الأكاديمية والشخصيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي بقيت بعيدة عن شبكات الفساد ومراكز النفوذ ومصالح الحرب فهذه الفئة تمتلك القدرة على تقديم رؤى أكثر استقلالية وموضوعية من تلك التي تطرحها الأطراف المنخرطة في الصراع أو المستفيدة من استمراره.
ويبقى السؤال المطروح من يمتلك الشجاعة السياسية والأخلاقية لإطلاق مثل هذه المبادرة؟ هل تقوم بها الحكومة المعترف بها دولياً التي رفعت طوال السنوات الماضية شعارات استعادة الدولة والإصلاح أم تتبناها حركة أنصار الله التي تسيطر على العاصمة ومناطق واسعة من البلاد وتطرح نفسها باعتبارها مشروعاً وطنياً في مواجهة الظلم وتحقيق العدالة كلا الطرفين يمتلك من حيث المبدأ القدرة على توجيه هذه الدعوة إذا توفرت الإرادة الحقيقية لتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات المناطقية.
غير أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت أن معظم المبادرات السياسية ظلت أسيرة حسابات السلطة وتقاسم النفوذ بينما غابت الأصوات الوطنية المستقلة عن مراكز التأثير وصناعة القرار ولهذا فإن نجاح أي دعوة جديدة يتطلب توفير مساحة حقيقية للنقاش الحر والاستماع إلى مختلف الآراء وعدم تحويل المبادرة إلى منصة لتبرير سياسات طرف على حساب آخر أو لإعادة إنتاج الانقسامات القائمة.
إن اليمن بحاجة اليوم إلى من يفتح الباب أمام حوار وطني واسع يشارك فيه الجميع دون إقصاء أو تخوين، ويضع الأسئلة الصعبة على الطاولة بشجاعة ومسؤولية فالقضية لم تعد من يحكم اليمن أو من ينتصر في الحرب بل كيف يمكن إنقاذ الدولة والمجتمع من الانهيار وبناء سلام مستدام يضمن العدالة والشراكة والمواطنة المتساوية ومن يملك الحس الوطني الحقيقي هو الطرف الذي يبادر أولاً إلى هذه الدعوة ويقبل بنتائجها مهما كانت لأن إنقاذ اليمن يجب أن يكون أكبر من أي سلطة وأبقى من أي مكسب سياسي
ولا يمكن الحديث عن أي مبادرة وطنية يمنية جادة بمعزل عن الدور السعودي باعتبار المملكة الطرف الإقليمي الأكثر تأثيراً في الملف اليمني خلال العقد الأخير فالسعودية تمتلك من النفوذ السياسي والاقتصادي والعلاقات مع مختلف الأطراف اليمنية ما يؤهلها لدعم أي حوار وطني شامل إذا توفرت الإرادة لدى اليمنيين أنفسهم كما أن الرياض تبدو اليوم أكثر اهتماماً بالاستقرار وإنهاء الصراع بعد سنوات من الحرب المكلفة وهو ما قد يدفعها إلى تشجيع مسار يمني يمني يشارك فيه الفاعلون السياسيون والشخصيات الوطنية المستقلة بعيداً عن الاستقطابات الحادة غير أن نجاح أي دور سعودي سيظل مرهوناً بقدرته على دعم التوافق الوطني لا فرض الترتيبات السياسية من الخارج لأن التجارب السابقة أثبتت أن الحلول المستدامة لا يمكن أن تنجح إلا عندما تنبع من إرادة اليمنيين أنفسهم وتعبر عن مصالحهم الوطنية.


























