بقلم/ دينا شرف الدين
تحدثت مرات عديدة عن تلك الآفة الحديثة التي ابتُلينا بها ضمن مستجدات العصر الحديث وتطور التكنولوجيا الهائل الذي بات يهرول مسرعًا، وما علينا سوى محاولة اللحاق به والتأقلم مع مساوئه واستفزازاته التي لا تنتهي، لربما نستفيد من بعض منافعه وحسناته التي لا ننكر وجودها.

إذ إننا الآن، وفي ظل تلك المستجدات وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، التي جعلت من كل مواطن من مختلف الطبقات الاجتماعية والثقافية والسياسية يمتلك وسيلته الإعلامية الخاصة التي يبث من خلالها ما يحلو له ويتوافق مع هواه الشخصي، ما تسبب في نوع من العشوائية للمادة التي يستهلكها الجمهور من مختلف الأعمار، وخاصة قطاع الصبية والمراهقين، وكذلك الشباب.

وعادة ما يكون غرض هذا الذي يمتلك بيده مصباح علاء الدين السحري، من وجهة نظره، والذي سيطير به بين لحظة وأخرى إلى عالم النجومية بعد أن يتصدر التريند، أن يبحث عن كل ما هو تافه أو شاذ أو مثير للجدل، كمعيار أساسي للفت أنظار المتابعين الذين تم تلويث مداركهم وأذواقهم بهذا الكم الهائل من تلك التفاهات.

ولا تزال الكارثة مستمرة دون القدرة على ردعها أو حتى تقنينها في عالم لا يخضع للرقابة، بل باتت سطوتها تطغى حتى على وسائل الإعلام، تلك التي أصبح بعضها يتخذ منه مصدرًا لمعلوماته حتى كادت تفقد مصداقيتها هي الأخرى.

فتحولت معايير الكفاءة ومقومات النجاح لدى الغالبية العظمى من المصريين، وعلى رأسهم بالطبع طبقة المشاهير أو أنصاف المشاهير بأي مجال، إلى مجرد نسب مشاهدة عالية وتريندات على مواقع التواصل المختلفة، وأصبح تصنيف الفنان أو المطرب أو الإعلامي، وموقعه على خريطة النجومية، وتحديد أجره وفرص ترشيحه وفرضه على جمهور المشاهدين المقهورين، بناءً على منزلته الرقمية من حيث التريند والتداول على تويتر أو تيك توك أو إنستجرام أو يوتيوب.

أما عن تلك المسميات التي تعددت وتنوعت على منصات التواصل المختلفة، والتي اتفقت جميعها على اعتماد التفاهة والجذب لأكبر عدد من المتابعين، بغض النظر عن هذا المحتوى الذي تأتي أهميته في آخر سطر طويل من الحسابات التي تبدأ وتنتهي لتحقيق هدف واحد دون غيره، وهو الكسب السريع والفرصة التي باتت حلم جيل بأكمله، والتي بكل أسف قد تحطمت على صخرتها أية طموحات أخرى، وأُغلقت أمامها سبل تحقيق النجاح الشرعية، إذ إنها الأقرب والأسهل والأربح في زمن قد اتخذ الركاكة له عنوانًا، وتوارت فيه القيمة والكفاءة إلى أجل غير مسمى.

فمن أسعده حظه واستطاع أن يتقن اللعبة جيدًا ويجد مفاتيح أبوابها، فقد انفتحت له أبواب الشهرة والنجومية على مصراعيها دون جهد أو شقاء أو نحت في الصخر، كما فعل غيره ممن يمتلكون مقومات النجاح بحق، ويجاهدون سنوات طويلة من أجل الحصول على الفرصة التي تتجلى بها مواهبهم وتخرج إلى النور عن جدارة واستحقاق.

إذ يفاجأ هذا الذي يستحق بمن لا يستحق قد سبقه بمسافات طويلة، وبضغطة زر أصبح من المشاهير، ثم سرعان ما تتهافت عليه جهات العمل والإنتاج المختلفة، والتي لم يعد من شروطها الأساسية، وفقًا لتطورات الزمن، الموهبة أو الجدارة.

ولا عزاء لمعايير الكفاءة التي كانت.

فما علينا من أم فلانة وأبو علان، وفتيات التيك توك، ونجمات الإنستجرام، والبلوجرز، والإنفلونسرز، وغيرها من التصنيفات التي اعتلت تلك المنصات، ولكن هناك كارثة أدعى وأمر، قد أصابت بعض الذين يتم تصنيفهم إعلاميين ويظهرون بقنوات فضائية مرموقة، ليعتمدوا طرق نجوم السوشيال ميديا ويضعوا نصب أعينهم هدفًا واحدًا، وهو موضة العصر الحديث المسماة "بالتريند".

ذلك أن بعض وسائل الإعلام قد باتت غير قادرة على منافسة وسائل التواصل بحجم التأثير وسرعة الانتشار، فقرر بعض الإعلاميين استغلال الشاشة التي يطلون من خلالها على الجمهور ليستعرضوا تفاهات ومحتويات السوشيال ميديا المثيرة، ويتعمدوا إطلاق التصريحات المتطرفة حسبًا للموجة السائدة التي قد أغرقت المجتمع بالتحريض والانقسام، خاصة في قضية المرأة والرجل وما لهم وما عليهن من حقوق وواجبات ومشكلات وخلافه.

وأخيرًا:

هؤلاء الذين يبحثون عن أي خبر يخص شخصية شهيرة، حتى وإن لم يكونوا على يقين من صحته ودقته، لينشروه مع عدد من العناوين المثيرة الكاذبة، فينتشر كالنار في الهشيم في بيئة خصبة للرواج، إذ إن جماهير المتابعين هي الأخرى عادة ما تكتفي بالعناوين الجاذبة وتصدقها، وتعيد نشرها وترديدها دون أن تجهد نفسها بقليل من تحري الدقة والموضوعية والتحقق من صحة هذا الخبر.

وكان أحدثها تلك الصفحات التي تقتات على اجتزاء الخبر وتحويره، والتي نشرت خبرًا بأن الفنان أحمد عبد العزيز قد فقد قدرته على الكلام، وأنه في حالة حرجة، ما أثار قلق جماهيره ومحبيه وأقاربه وأصدقائه، وتسبب في حالة من التوتر والقلق لأسرته التي فوجئت بهذه الأخبار المغلوطة، تلك التي قام بنشرها شخص غير مسؤول لا يعنيه مثل هذه الأمور الأخلاقية، ولا يشغل باله سوى التريند المنشود.

وما زالت التعديات الأخلاقية على حرمات الحياة الشخصية للآخرين، وتحديدًا طبقة المشاهير، مستمرة ببشاعة دون توقف، طالما حقق التريند مبتغاه.
نقلاً عن اليوم السابع

حول الموقع

سام برس