سام برس
تصنيف : شعر ونثر
بقلم وقريحة: القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي
إن الحديث عن الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ ليس مجرد بكائية تاريخية تُستدعى في مواسم العزاء، بل هو قراءة واستلهام لأول ثورة تصحيحية وإنسانية كبرى في تاريخ الأمة؛ ثورة قامت لتقويم اعوجاج المسار وصيانة كرامة الإنسان الـمُستلَبة تحت وطأة العقلية السلطوية المستبدة.

- شقاء الوعي وجناية يزيد
ومن شقاء الوعي، وبلادة الفكر، أن نرى في عصرنا هذا من يجهل حقائق التاريخ وينبري مدافعاً عن الطاغية (يزيد)، دون وعيٍ بحجم الجريمة النكراء التي اقترفتها يداه بحق ريحانة رسول الله وسيد شباب أهل الجنة. إن جريمة قتل الإمام الحسين في كربلاء تفوق في فظاعتها وبشاعتها جريمة قتل قابيل لأخيه هابيل؛ فإذا كان قابيل قد ندم من فوره ووارى سوأة أخيه دون عبث، فإن زمرة يزيد بلغت من الانحطاط والتوحش ما جعلها تمثّل بالجسد الشريف، وتحز الرأس الطاهر وتطوف به وبذراري العترة الطاهرة بين الأمصار وصولاً إلى دمشق، في مشهد انتقامي حاقد ينم عن تصفية حسابات جاهلية قديمة وثارات متأصلة، لا عن التعامل مع معارض أو منشق كما يحاول سدنة الطغيان تصويره اليوم.
- تزييف المفاهيم وسدنة الطغيان
إن محاولات تسويق الطغاة وتبرير مخازيهم تحت لافتات العصر ومسمياته، كوصم حركة الحسين ـ عليه السلام ـ بالانشقاق أو التمرد، هي تزييف مفضوح؛ وكأن معاوية أو يزيد قد ارتقيا سدة الحكم بشورى نزيهة أو بانتخابات حرة وصناديق اقتراع, أو كأن الأمة أجمعت على شرعيتهما المزعومة!

- فاجعة الطف في عيون القريحة
وفي تبيان هذا الموقف العظيم وتصوير فاجعة الطف وتخاذل البغاة، نذكر هذه الأبيات من قريحتنا:
تَـبَـكّـتْ قُـلُـوبُ الـمُـؤْمِـنِـيـنَ لِـمَـصْرَعِ .... حُسَيْنٍ وَأَجْرَتْ فِـي الـخُـدُودِ الـمَدَامِعَا
قَـضَى ظَامِـئاً وَالـمَاءُ يَـجْرِي بِـقُـرْبِـهِ .... وَعَـافَ الـخُـنُـوعَ لِـلْـغُوَاةِ مُـصَـارِعَا
أَيَـقْـتُـلُـهُ نَـذْلٌ وَيَـحْـزِزُ رَأْسَـــــــــهُ .... وَيَـطُـوفُ مَـزْهُــواً بِـهِ الـكَـفُّ طَائِعَا؟
أَلَا لَـعَـنَ الـرَّحْـمَـنُ عُـصْـبَـةَ فِـجْـرَةٍ .... أَذَاقُــوا رَسُــولَ اللهِ ظُـلْـماً مُـفَـاجِعَا
سَـمَـوْتَ أَبَـا الأَحْـرَارِ فِـي كُلِّ مَـشْهَدٍ .... وَأَبْـقَـيْـتَ لِـلأَجْـيَـالِ مَـجْـداً دَوَافِـعَا
فَـعَـرْشُ يَـزِيـدٍ طَـاحَ فِـي مَـزْبَـلِ الـخَنَا .... وَنُـورُكَ يَـبْـقَـى فِـي الـبَـرِيَّـةِ سَـاطِعَا
فَـيَـا قَـادَةَ الـطُّـغْـيَـانِ فِـي كُلِّ دَوْلَـةٍ .... سَـتَـلْـقَوْنَ حَـتْـفاً كَالـطَّـوَاغِـيتِ فَاجِعَا

- تفكيك الموروث وبني أمية
ولعل من أباطيل الفكر الموروث ربط الفتوحات الإسلامية بنجاحات بني أمية السياسية، متناسين أن وعد الله ونصره لرسوله ودينه هو المحرك الحقيقي لتلك الفتوحات، بل إن الحقيقة التاريخية الصادمة تؤكد أنه لولا السياسات الاستبدادية والمصالح الضيقة لملوك بني أمية، الذين عطلوا مسار الفتوحات وحركة الجيوش عند تخوم أوروبا لأسباب سلطوية، لكانت القارة الأوروبية قد عرفت نور الإسلام والتوحيد منذ القرون الأولى وبشكل أعمق وأشمل، وحتى حينما انشقت دولتهم في الأندلس تحت مسمى (صقر قريش)، الذي يعظمونه اليوم ويتناسون وصفه بالانشقاق، انتهى بها المطاف إلى السقوط والضياع التام طرداً للعرب والمسلمين نتيجة ذات العقلية السلطوية المتصارعة.

إن نقد العقلية الأموية المتسلطة ليس انحيازاً لطائفة أو فئة، بل هو انحياز للمبدأ الإسلامي الأصيل؛ فهذه العقلية النفعية هي ذاتها التي اغتالت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وفجعت الأمة بالحسين، وهي ذاتها التي لم تتردد لاحقاً في التآمر واغتيال الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز حين أراد إحياء العدل وإماتة الجور، مما يثبت أن صراعهم كان دوماً لهثاً وراء السلطة وعبادة للكرسي.

- أثر كربلاء وواقع طغاة العصر
إن جريمة كربلاء أحدثت في جسد الأمة شرخاً عميقاً لا يمكن أن يلتئم إلا بالعودة الصادقة إلى النهج القويم للرسول الأكرم، والتمسك بالقيم الإنسانية والجهادية التي خطها الحسين بدمائه الزكية. إن الأنظمة الرجعية والعميلة المتخلفة اليوم، التي تحاول جاهدة تهميش ثورة الحسين أو التقليل من شأنها, إنما تفعل ذلك لإدراكها أن فكر الحسين هو الصاعقة التي تدك عروشهم، وأن وعي الأمة بنهجه يعني حتماً سقوط شرعيتهم الزائفة، ولذلك يروجون للرؤى الباطلة لضرب الأمة ببعضها لضمان بقائهم وديمومتهم.

ومن هنا، فإننا نوجه خطابنا الصارم والمزلزل لكل طغاة العصر وبغاتهم من زمرة يزيد الممتدة عبر التاريخ: إن عروشكم المبنية على الظلم والعمالة مصيرها السقوط كعرش يزيد، وإن دماء الشهداء السائرة على خطى الحسين ستظل لعنة تطاردكم وقواصم تقض مضاجعكم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
فسلامٌ على الحسين.. سلام.
سلامٌ على قائد أول ثورة تصحيحية في تاريخ الإسلام، يوم وُولد ويوم ارتقى شهيداً ويوم يُبعث حيّاً.

حول الموقع

سام برس