بقلم / كفاح عادل
في بلد يغرق في أتون الأزمات المعيشية الطاحنة لم يعد المواطن العادي يلتفت كثيرا للخطابات السياسية الرنانة ولا إلى المبررات التي تسوقها الأطراف المختلفة لتبرير الواقع المزري.
اليوم يقف الموظف البسيط وجها لوجه أمام حقيقة واحدة مريرة: كيف يؤمن قوت أولاده؟ هنا يبرز السؤال الذي يتردد صداه في كل شارع ومنزل "أين الراتب؟" هذا السؤال الذي تجاوز كونه مطلبا حقوقيا وقانونيا ليتحول إلى صرخة وجع عارمة تكشف حجم الفجوة الجسيمة بين الشعارات المرفوعة والواقع المعاش.
إن محاولة ربط قطع الرواتب وتجويع الناس بمنظومة القيم الروحية والدينية أو بالرموز التاريخية والجهادية كالإمام الحسين وآل بيته الأطهار يمثل منزلقا خطيرا يهدد السلم الاجتماعي والوجداني للمجتمع.
فالإمام الحسين في الوعي الإنساني والإسلامي الشامل لم يكن يوما رمزا لسياسة التجويع أو وسيلة لتبرير الحرمان بل كان—ولا يزال—عنوانا للعدالة الاجتماعية ونصرة المظلوم وإعطاء كل ذي حق حقه.
وعندما يقاد الناس إلى حافة الفقر الشديد والعوز بذريعة الصمود أو تحت أي لافتة كانت فإن النتيجة الحتمية هي فجوة عميقة وارتداد نفسي واجتماعي يجعل العامة يربطون وزر الفشل الإداري والمعيشي بتلك الرموز المقدسة وهو أمر يسيء للقيم الروحية قبل أن يسيء للواقع السياسي.
تقوى الله في الرعية ليست مجرد كلمات تلقى في المواعظ والخطب بل هي ممارسة عملية تتجلى في استشعار المسؤولية الأخلاقية والوطنية تجاه مئات الآلاف من الأسر التي باتت تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة.
الموظف الذي أفنى عمره في خدمة مؤسسات الدولة لا ينبغي أن يترك فريسة لغلاء الأسعار وانهيار العملة والفقر المدقع تحت مبرر المكايدات السياسية أو الحصار فالجهة التي تتصدر للمشهد وتتحمل مسؤولية الحكم وإدارة شؤون البلاد يقع على عاتقها قانونا وشرعا تأمين لقمة العيش وتوفير الرواتب باعتبارها الحد الأدنى من الحقوق الإنسانية غير القابلة للتفاوض أو التأجيل.
إن استمرار هذا الوضع والتغاضي عن معاناة المواطنين ومطالبتهم بالصبر اللامتناهي دون تقديم حلول ملموسة هو بمثابة انتحار بطيء لثقة المجتمع في قياداته ومؤسساته.
إنها دعوة صادقة وجريئة تفرضها اللحظة الحرجة لكل من يتصدرون للمسؤولية: اتقوا الله في أنفسكم وفي هذا الشعب الصابر. إن الحفاظ على محبة الناس واحترامهم للمقدسات والشعارات لا يأتي بالفرض أو بالخطاب العاطفي بل بالعدل والإنصاف وإعادة الحقوق إلى أصحابها وعلى رأسها الراتب الذي يمثل عصب الحياة


























