بقلم/ د. حسن حسين الرصابي
•مقدمة: حين تنحر الفطرة على مقصلة الفاقة
في نظام الكون الذي فطر الله الناس عليه، يمثل الأب الحصن المنيع، والملاذ الآمن، والدرع الحامي الذي يفتدي أبناءه بروحه ليجنبهم ويلات الحياة وقسوتها. لكن، عندما تبلغ الفاجعة مداها، وتنقلب الفطرة الإنسانية السوية رأساً على عقب، لتتحول يد الحنان الأبوية إلى أداة بطش تزهق روح فلذة كبدها؛ فإننا لا نكون أمام جريمة جنائية فحسب، بل أمام متغير قيمي ونفسي يضرب أركان المجتمع.
إن قتل الأب لطفله ليس مجرد إزهاق لروح بريئة، بل هو انتحار رمزي للإنسانية، وإعلان صارخ عن بلوغ الضغوط النفسية والمعيشية حداً يفوق قدرة العقول على الاحتمال؛ لتتحول البيوت التي أُسست على السكينة والرحمة إلى مسارح للرعب والموت الزؤام.

تختزل هذه المأساة عمق الوجع الإنساني الذي نعيشه اليوم في أنصع صوره وأكثرها قسوة؛ فالطفولة في أصلها الفطري والشرعي، هي واحة اللعب والتعلم والنمو الهادئ تحت ظلال الرعاية والأمان. ولكن، عندما تشتد الأزمات وتطحن الحروب والحصارات كاهل المجتمعات، تنقلب الآية، وتتحول هذه الواحة البريئة إلى ساحة معركة مبكرة يُدفع إليها الصغار دفعاً، لتغدو براءتهم قرباناً يُذبح على عتبات العوز والفاقة.

• الجريمة الصادمة: مرآة لواقع مشروخ
إن الفاجعة الأخيرة التي هزت الضمائر في محافظة المحويت (مديرية الخبت - عزلة المرواح - قرية الحجف)، والتي راح ضحيتها طفلٌ لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره على يد أبيه، ليست مجرد حادثة عابرة؛ بل هي صرخة فزع تُعري عمق الشرخ النفسي والاجتماعي الذي أحدثته سنوات المعاناة الخانقة.
أن يُزهق أبٌ روح فلذة كبدها ضرباً مبرحاً، لمجرد أنه عجز أو تمنع عن الخروج "للتفتيش على عمل" ويوفر لقمة العيش التي استعصت على الكبار، هو مؤشر خطير على وصول الإحباط النفسي إلى مرحلة التحلل من الفطرة الإنسانية. لقد صبّ الأب جام غضبه وعجزه وقلة حيلته أمام ضغوط الحياة القاسية على أضعف حلقة في السلسلة: طفله الذي لا حول له ولا قوة، متناسياً واجب العطف والمسؤولية الشرعية والأخلاقية.
• قلوبٌ قست.. والضحية هم "أحباب الله"
في مناخات الحروب والحصار، والأزمات الاقتصادية الخانقة التي نكابدها، تنهار المنظومات النفسية لدى البعض، وبدلاً من أن تكون الأسرة هي الملاذ الآمن من ويلات الخارج، تتحول أحياناً -للأسف الشديد- إلى بيئة طاردة ومعنِّفة.
إن تحميل الأطفال تبعات الفقر وفشل الكبار في تأمين المتطلبات المعيشية هو التواء فكري واجتماعي خطير، فالأطفال في هذا الواقع المرير هم:
- ضحايا صامتون: يعانون مرارة الحصار والعدوان وضيق ذات اليد مثلنا تماماً، بل وأكثر؛ لأنهم لا يملكون أدوات الفهم أو القدرة على الدفاع عن أنفسهم.
- أمانات إلهية: شرع الله ورسوله الرفق بهم وحمايتهم، وتأمين متطلباتهم، وليس تحويلهم إلى آلات إنتاج وعمالة قسرية في عمر الزهور.
• دعوة إلى صحوة ضمير: "اتقوا الله في أولادكم"
إن هذه الدماء البريئة التي سُفكت يجب ألا تمر كخبر عابر في شريط الذكريات الأليمة، بل إنها تستصرخ فينا اليوم كل معاني النخوة، والقيم الدينية، والإنسانية، وتدفعنا لإطلاق موجهات ورسائل عاجلة:

1. الرفق بركائز المستقبل: الأزمات مهما بلغت شدتها وضراوتها لا تبرر سحق الطفولة أو تجريد الآباء من عواطف الفطرة والرحمة الأبوية.
2. فصل العجز عن العنف: يجب على المجتمع والخطاب التوجيهي والديني والإرشادي، ووسائل الإعلام تكثيف الجهود لمحاربة العنف الأسري الناتج عن الضغوط الاقتصادية، وتوجيه الكبار لكبح جماح غضبهم بعيداً عن أطفالهم.
3. التكافل والتراحم الاجتماعي: إن غياب الرقابة المجتمعية وغياب يد العون للمحتاجين يسرّعان من وتيرة هذه الكوارث، مما يفرض على الجميع التلاحم لحماية الأسر المتضررة ودعمها قبل حدوث الانفجار الأسري.

• خاتمة
رفقاً بأحباب الله يا قوم.. فالصغار ليسوا دروعاً لامتصاص ضربات القدر، ولا حقول تجارب لتحمل قسوة الحياة ونكباتها. اتقوا الله في عيالكم، واجعلوا من بيوتكم ملاجئ حب ورحمة، فالأرزاق بيد الله سبحانه، والأنفس البريئة إذا ذهبت لا تُعوّض نختم هذا المقال بقول الله سبحانه وتعالى في سورة الانعام الآية -151- (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُم مِّنْ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ صدق الله العظيم .

حول الموقع

سام برس