بقلم/ د.مصطفى الفقي
عندما تسكت المدافع يبدأ كل طرف فى قراءة المشهد بالكامل من بدايته إلى نهايته، ويكون من الطبيعى والمنطقى أيضًا أن يراجع الجميع حسابات الربح والخسارة لما شاركت فيه الدول المختلفة من تحرك دبلوماسى ونشاط عسكرى أوصلها فى النهاية إلى نقطة آمنت فيها بأن الصراعات مهما طالت وأن الخلافات مهما اشتدت فلا بد لها أن تصل إلى مائدة مفاوضات رغم تفاوت القوى واختلاف الموازين الاستراتيجية لكل منها،
وها نحن فى الشرق الأوسط وغرب آسيا نراجع فى وعى كامل وتجرد شامل الأسباب التى أدت إلى النتائج التى يحصدها الشرق الأوسط امتدادًا من أواسط آسيا إلى شواطئ المتوسط ومن جنوب أوروبا إلى أعالى النيل حتى ندرك جميعًا أن الحصاد الحزين للمواجهة بين إسرائيل وأمريكا فى جانب وإيران فى جانب آخر هى مؤشر واضح على اضطراب الحسابات والخلل فى موازين القوى،
فإيران ترى ذاتها منتصرة بحكم استمرار الحرب لمدة أطول بكثير مما توقعت واشنطن بينما ترى الولايات المتحدة الأمريكية أنها حققت نصرًا عسكريًا وفرضت حصارًا بحريًا، وأجبرت إيران على قبول مناقشة ما كانت تستبعده، وهنا يلح سؤال هل سوف تؤدى هذه الحرب الأخيرة إلى تغيير خريطة التحالفات فى المنطقة وترسم حدودًا للانتماءات لم تكن موجودة؟ وهل ستنتهى قصة الساحات المتماهية مع الطموحات الإيرانية فى المنطقة؟ هذه أسئلة يطرحها خبراء العلاقات الدولية وأساتذة التاريخ السياسى والتفوق العسكرى،
وأستطيع أن أطرح قراءة متواضعة تشير إلى تكتلات مختلفة يبدأ أولها بين تركيا ومصر والسعودية وقطر فى تناغم سياسى مع دولة باكستان النووية، بينما يرى البعض الآخر أن الإمارات والهند قد تقفان على الطرف الآخر، كذلك فإن هناك شعورًا عامًا بأن العلاقات الأمريكية الإيرانية سوف تتجه على المدى الطويل إلى التحسن التدريجى بحيث تعيد سنوات شرطى الخليج إيرانيًا كما كان منذ عدة عقود واضعين فى الاعتبار أن تركيا وزعيمها أردوغان ظلوا يرقبون الموقف دون تردد مباشر أو اقتحام ملموس.
أما الدولة العبرية إسرائيل فسوف تظل تنظر بقلق إلى تركيا الدولة الإسلامية وعضو حلف الأطلنطى والقريبة إلى الرؤية الغربية لمسار الأحداث، ثم تلتفت إسرائيل بعد ذلك إلى مصر من زاوية خاصة فهى تعلم أن المائة وخمسة عشر مليون مصرى لا يتحركون بسهولة، وأن لديهم قدرًا مما نسميه الصبر الاستراتيجى الذى يسعى لتفادى المواجهات العسكرية لأنهم يدركون بحكمتهم الطويلة أن الحرب خراب على كل أطرافها ودمار لمعظم المشاركين فيها،
لذلك سوف تعمد إسرائيل إلى محاربة مصر فى الميادين الاقتصادية والبرامج التجارية والمشروعات التنموية وتسعى للعبث بملف مياه النيل مع الشريك الإثيوبى المعادى لمصر وسياساتها فى شرق إفريقيا، كذلك لن تألو إسرائيل جهدًا فى فتح ملفات البحر الأحمر لتشتيت القوى وتمزيق وحدة أوصال حوض النهر والبحر الأحمر والدول المطلة عليهما، كذلك سوف يجرى إغراق مصر بالمشكلات والأزمات والضغط عليها اقتصاديًا والتحكم فى مسار التنمية لديها من خلال النهر الذى يرتبط بحياتها والتميز الحضارى الذى يقترن بدورها،
إننا نقول صراحة إن هناك محاولات خبيثة تجرى على ساحات المنطقة وتغير بشكل واضح مسارات التحالفات والارتباطات القادمة وتستهدف استقرار الشعوب مع التدخل المباشر فى شئونها بتصدير الفساد وحرب المخدرات وتشويه السمعة لإبراز مصر أمام العالم كدولة متراجعة على عكس ما يريد لها أبناؤها المخلصون.
إن الأدوار الإقليمية الجديدة التى نرقبها عن كثب تشير بوضوح إلى أن المنطقة سوف تتغير، وأن غرب آسيا والشرق الأوسط وربما الشمال الإفريقى أيضًا سوف ينالها قدر من التحول وجانب من التغيير، ومصر تدرك جيدًا أنها دولة ثقيلة الوزن ناصعة التاريخ عصية على الانهيار لأنها والتاريخ صنوان وهى والحضارة توأمان فهى التى علمت وطببت وعالجت ونهضت بكثير من بقاع هذه المناطق التى يدرك أهلها الحقيقيون قيمة مصر ووزنها الإقليمى،
ولحسن الحظ فإن المخزون البشرى للمصريين متقدم دائمًا فهى مصدر العلماء والمفكرين وملتقى الدارسين والباحثين وهى الدولة القادرة على شق طريقها مهما كثر أعداؤها، وسوف تبقى فى كل الأحوال قائدة ورائدة لأن مصر شمس لا تغيب أبدًا.
من صفحة الكاتب - منصة اكس


























