سام برس
حِصْنُ العَقِيدَةِ وَمِيثَاقُ الوَطَنْ
(من ديوان صولات القوافي2015م)
للشاعر الأديب القاضي الدكتور/ حسن حسين الرصابي
• المقدمة
تأتي قصيدة "حِصْنُ العَقِيدَةِ وَمِيثَاقُ الوَطَنْ" للشاعر الرصابي كوثيقة أدبية وفكرية تجمع بين عمق الإيمان النقي والوعي الوطني والمسؤولية الإرشادية. صِيغت الأبيات على "بحر البسيط"، وهو من البحور الفخمة التي تتسع للأغراض الجليلة كالحكمة والوعظ والاعتزاز بالقيم. وتكمن أهمية القصيدة في كونها لا تقف عند حدود الذات، بل تنطلق لتُعبر عن هموم الأمة والوطن، مرتكزة على ثوابت الهوية الإيمانية والحكمة اليمانية، ومجسدةً دور "العالِم والمُصلح" الذي يزاوج بين الكلمة الصادقة والعمل الدؤوب.
• قَصِيدَةُ: حِصْنُ العَقِيدَةِ وَمِيثَاقُ الوَطَنْ
- أولاً: الِابْتِهَالُ وَالدُّعَاءُ
سُبْحَانَ مَنْ عَرْشُهُ فَوْقَ السَّمَا رُفِعَا ❖ يَا مُيَسِّرَ الحَاجَاتِ يَا مَنْ لِلدُّعَا سَمِعَا
يَا عَالِمَ السِّرِّ يَا جَابِرَ خَوَاطِرِنَا ❖ إِذَا المَدَى ضَاقَ وَالقَلْبُ الشَّجِيُّ دَعَا
إِلَيْكَ مَدَّ الوَرَى كَفَّ الضَّرَاعَةِ فِي ❖ بَابِ الرَّجَاءِ وَكُلُّ الخَلْقِ قَدْ خَضَعَا
يَا رَبِّ ثَبِّتْ عَلَى دِينِ الهُدَى قَدَمِي ❖ نَهْجِ النَّبِيِّ الَّذِي نُوراً بِهِ سَطَعَا
- ثانياً: الحِكْمَةُ وَالرِّسَالَةُ وَالهُوِيَّةُ
سِرْنَا عَلَى دَرْبِ حَقٍّ زَانَهُ حِكَمٌ ❖ فَالحَقُّ نِبْرَاسُ عَدْلٍ فِي المَدَى شَعَشَعَا
إِيمَانُنَا بِالهُدَى حِصْنٌ يَقِي بَأَسَاً ❖ مَنْ حَادَ عَنْ دَرْبِهِ يَوْمَاً فَقَدْ وَقَعَا
وَرَايَةُ الحِكْمَةِ الغَرَّاءِ يَمْنَتُنَا ❖ وَمَجْدُهَا فِي رِكَابِ العِزِّ مَا انْقَطَعَا
وَالعِلْمُ يَرْفَعُ بَيْنَ النَّاسِ صَاحِبَهُ ❖ وَالجَهْلُ يَخْفِضُ رَأْسَاً لِلَّذِي تَبِعَا
- ثالثاً: وَحْدَةُ الصَّفِّ وَالذَّوْدُ عَنِ الوَطَنِ
فَامْدُدْ يَدَ التَّوْحِيدِ وَاجْمَعْ شَمْلَ أُمَّتِنَا ❖ وَمَنْ يَصُنْ عَقْدَ طَاعَاتِ الهُدَى نَفَعَا
وَاطْرُدْ خَفَايَا عِدَىً يَسْعَوْنَ فِي ضَلَلٍ ❖ وَكُلَّ بَاغٍ بِدَرْبِ الغَيِّ قَدْ رَتَعَا
هَذَا الوَطَنُ الغَالِي فِي وِجْدَانِنَا أَبَدَاً ❖ مِيثَاقُ عَهْدٍ لِأَهْلِ العِلْمِ قَدْ شُرِعَا
فَارْفَعْ شِعَارَ صَحِيحِ النُّصْحِ فِي الرُّبَى ❖ لَا خَيْرَ فِي قَوْلِ مَنْ عَنْ فِعْلِهِ امْتَنَعَا
- رابعاً: الخَاتِمَةُ بِالصَّلَوَاتِ
نَدْعُوكَ يَا ذَا العُلَا تُصْلِحْ لَنَا حَالاً ❖ وَتَرُدَّ كَيْدَ الَّذِي خَانَ الَّذِي صَنَعَا
وَاجْعَلْ كِتَابَكَ نُوراً فِي صُدُورِنَا ❖ فِيهِ الشِّفَاءُ لِقَلْبٍ بَاتَ مُلْتَوِعَا
ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى المُخْتَارِ وَالآلِ مَا ❖ نَجْمٌ تَلألأَ فِي الآفَاقِ أَوْ لَمَعَا
* التحليل الموضوعي والفني
تنقسم القصيدة إلى أربعة محاور مترابطة تسلم كل منها للأخرى بسلاسة:
1. الابتهال والدعاء (البُعد الروحي): يستهل الشاعر الدكتور حسن الرصابي بالثناء على الله والاعتراف بربوبيته وعلوه (سُبْحَانَ مَنْ عَرْشُهُ فَوْقَ السَّمَا رُفِعَا). يتجلى هنا الإخلاص والتجرد؛ فالملجأ في الملمات هو الله وحده، وفي طلبه لتثبيت القدم على نهج النبي صلى الله عليه وسلم، تأصيل للمرجعية الدينية التي ينطلق منها فكر الشاعر.
2. الحكمة والرسالة والهُوية (البُعد الفكري): ينتقل النص إلى الفخر بالمنهج العادل (فَالْحَقُّ نِبْرَاسُ عَدْلٍ) الشاعر يرسخ هنا مفهوم "الحكمة اليمانية" (وَرَايَةُ الْحِكْمَةِ الْغَرَّاءِ يَمْنَتُنَا) ، ويربط العزة بطلب العلم والوعي، معتبراً أن العلم يرفع المجتمعات والجهل يخفضها.
3. وحدة الصَّف والذود عن الوطن (البُعد الاستراتيجي والوطني): هنا تبرز النبرة القيادية والإرشادية؛ دعوة صريحة لـ "توحيد الخطاب" ولم الشمل (فأمدد يَدَ التَّوْحِيدِ وَاجْمَعْ شَمْلَ أُمَّتِنَا). الوطن في هذه الأبيات ليس مجرد جغرافيا، بل هو "ميثاق عهد" أمانة في أعناق أهل العلم، مع التركيز على اقتران القول بالعمل كمبدأ أخلاقي أصيل.
4. الخاتمة بالصلوات (حسن الختام): يعود الشاعر الرصابي إلى حظيرة الدعاء بصلاح الحال وكف كيد الخائنين، جاعلاً القرآن الكريم الملاذ والشفاء، ومختتماً بالصلاة والتسليم على المصطفى وآله الأطهار.
• النقد الأدبي والموضوعي
- الجزالة واللغة: تميزت الألفاظ بالقوة والجزالة وتجنب الحوشي الغريب أو المبتذل السطحي. كلمات مثل (نبراس، شعشعا، ضراعة، يمنتنا، ملتوعا) أضفت مسحة تراثية أصيلة تلائم الشعر الهادف.
- الوحدة العضوية والموضوعية: القصيدة مترابطة؛ فالانتقال من التضرع الإلهي إلى المنهج الحكيم، ثم إلى الواقع الوطني، يمثّل حركة طبيعية للمصلح الذي يستمد قوته من السماء ليغير بها وجه الأرض.
- البنية العروضية الفخمة: إن الالتزام ببحر البسيط وتطهير الأبيات من أي هنات أو كسور أفرز نصاً موسيقياً متدفقاً، يزاوج فيه حرف العين المطلق في القافية بين قوة الأداء الصوتي وعمق المعنى المراد إيصاله للجمهور.
- القيمة الفكرية: النص ليس مجرد استعراض شعري، بل يحمل رسالة توجيهية واضحة. يعيب الشاعر على من "امتنع عن الفعل واكتفى بالقول"، وفي هذا نقد اجتماعي ومؤسسي لاذع، ودعوة صريحة للفاعلية، والإيجابية، واقتران البيان بالعمل الميداني الصادق.
* الخلاصة
تُعد قصيدة "حِصْنُ العَقِيدَةِ وَمِيثَاقُ الوَطَنْ" نموذجاً حياً لـ "شعر المنهج والموقف". إنها قصيدة يعتز بها الدكتور حسن الرصابي؛ لأنها تختزل هويته كقاضٍ يحق الحق، وعالمٍ يبث الحكمة، ومصلحٍ يدعو لوحدة الصف، وجنديٍ يذود عن حياض الوطن بفكره وقلمه. النص مؤهل تماماً ليتصدر مقدمات الكتب، أو يُلقى في المحافل الوطنية والتوجيهية، كونه يعبر بصدق عن نبض الهوية وثوابت الأمة.
- صُدِرت في الجبل الأسود: مديرية حرف سفيان، محافظة عمران.
- بتاريخ: 9 مارس 2015م. (من ديوان صولات القوافي)


























