سام برس
تمهيد:
يأتي كتاب "جراحُ السرد، صدمة الغيرية والرّد بالكتابة" للباحث والناقد محمد الداهي -الصادر عن المركز الثقافي للكتاب(2026)- في سياق الدراسات السردية ما بعد الكولونيالية التي تعيد مساءلة تمثيلات الماضي وآليات بناء الذاكرة في الخطاب الأدبي والتاريخي، بالانفتاح على تحليل الجراحُ المادية والرمزية التي خلّفها الاستعمار وتزال آثارها ممتدة في الحاضر بالانطلاق من وعي نقدي مفاده أن السرد ليس مجرد وسيلة لنقل الأحداث، وإنما فضاء لإنتاج المعنى وتشكيل الذاكرة الجماعية، سواء من خلال تفكيك الصور النمطية التي رسّخها الخطاب الاستعماري في تمثيله للشعوب المستعمَرة، أم بإبراز أشكال المقاومة السردية التي تسعى إلى استعادة الصوت المغيّب وردّ الاعتبار إلى تجارب التابعين والمهمّشين.
يولي الكتاب، في هذا الإطار، أهمية خاصة لمفهوم "شعرية الذاكرة" بوصفها ممارسة تتجاوز مجرد استرجاع الأحداث المنسية إلى مساءلة طرائق تمثيلها وتحليل بنياتها وأشكال اشتغالها في مختلف الأجناس التذكارية، مثل المذكرات والرسائل والكتابة التاريخية. كما يوسّع هذا المفهوم ليشمل فحص التمثيلات التي يقدّمها الأفراد عن ماضيهم بعد منحهم حق الكلام، بما يسمح بكشف التوتر القائم بين التذكر والنسيان، وبين الحقيقة والتأويل داخل سرديات تتعدد زواياها وتتشابك مستوياتها. من هذا المنطلق، يقدّم "جراحُ السرد" رؤية نقدية تجعل من السرد أداة لقراءة الذاكرة الجماعية وتفكيك تاريخ الهيمنة الاستعمارية، بما يفتح المجال أمام إعادة كتابة الماضي من منظور يسمح بتعددية الرؤى.
تندرج هذه القراءة ضمن مقاربة نقدية للسرديات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية كما يتناولها الكتاب، بالسعي إلى الكشف عن آليات تمثيل الآخر في الخطاب الاستعماري، وما يرتبط به من صور نمطية اختزلت الشعوب المستعمَرة في قوالب وصور جاهزة تخدم منطق الهيمنة الإمبراطورية. وفي مقابل ذلك، تبرز أهمية "الرّد بالكتابة" بوصفه فعلا إبداعيا ومقاوما يعيد الاعتبار لأصوات المهمَّشين ويصوغ من جديد علاقتهم بتاريخهم وذاكرتهم وهويتهم. سنروم، انطلاقا من هذا التصور، تحليل البنية الثنائية التي يقوم عليها الكتاب، والمتمثلة في تفكيك خطاب المركز الاستعماري من جهة، واستجلاء أشكال المقاومة السردية التي أنتجتها الكتابة ما بعد الكولونيالية من جهة أخرى. كما نسعى إلى إبراز الكيفية التي تتحدّد بها علاقة الأنا بالآخر داخل هذا السياق بوصفها علاقة صدامية تتقاطع فيها الأبعاد الثقافية والمعرفية والسياسية، وذلك بتواجه الذات الاستعمارية مع الذوات المستعمَرة في صراع رمزي حول التمثيل والهوية والذاكرة. ومن ثم، نسعى إلى فهم الكيفية التي يُسائل بها السرد التاريخ وكتابة الذاكرة ومواجهة أنماط الإقصاء والتهميش.
شعرية الذاكرة الموسعة: صراع التمثيلات
يتأسس كتاب "جراح السرد" على بنية تحليلية مزدوجة تُظهر بوضوح طبيعة الاشتغال النقدي في مقاربة السرديات الكولونيالية وما بعد الكولونيالية. فالقسم الأول ينشغل بتفكيك الصور النمطية الجاهزة والمسكوكة التي أنتجتها الإمبراطورية الاستعمارية في تمثيلها للشعوب المستعمَرة والمضطهدة، حيث تُقدَّم هذه الشعوب غالباً في قوالب اختزالية تقوم على التهميش والإقصاء أو التشويه الثقافي والحضاري، بما يخدم خطاب المركز الاستعماري ويُبرّر هيمنته الرمزية والمادية. أما القسم الثاني فينهض على "الرّد بالكتابة" باعتباره فعلا إبداعيا ونقديا يعيد الكلمة لأصوات الضحايا والمستعمَرين لإنتاج سرديات مضادة للغة الإمبراطورية تُقوّض الرواية الكولونيالية وتكشف آليات اشتغالها الإيديولوجي. وبين هذين المحورين تتجلى علاقة الأنا بالآخر بوصفها علاقة غير متوازنة في أغلب الأحيان، إذ تتخذ طابعا صداميا يعكس التوتر العميق بين الذات الاستعمارية التي تسعى إلى فرض نموذجها المعرفي والثقافي، والذوات المستعمَرة التي تقاوم هذا الفرض باستعادة صوتها وهويتها وذاكرتها. من هنا، لا يكتفي الكتاب بوصف هذه العلاقة، بل يشتغل على تفكيك بنيتها وإبراز أبعادها الرمزية والمعرفية، مبرزاً كيف يتحول السرد إلى حلبة صراع بين خطاب الهيمنة وخطاب المقاومة، وبين تمثيل يُقصي وتمثيل يروم استعادة الحق في الوجود والتعبير.
ينطلق الناقد في إظهار المكانة المركزية للذاكرة، من كونها إحدى القضايا الملحّة في الفكر الإنساني، لما تختزنه من آثار وتجارب قد تكون مصدر اعتزاز وفخر، وقد تتحول في المقابل إلى جراح رمزية تستعيد آلام الماضي وصراعاته. فالذاكرة ليست مجرد استرجاع للأحداث السابقة، بل هي فعل ثقافي وسياسي يُسهم في تشكيل الهوية الفردية والجماعية، ويؤثر في طريقة تمثيل الماضي وتأويله. يؤكد الداهي، في هذا الصدد، أن الاهتمام المتزايد بالذاكرة يعود إلى مجموعة من الاعتبارات، من أبرزها السعي إلى خلخلة السرديات المهيمنة التي احتكرت رواية التاريخ، وإفساح المجال أمام سرديات بديلة أو حوارية تستعيد حق الفئات المهمشة والمستعمَرة في التعبير عن تجاربها الخاصة. فالذاكرة، في هذا السياق، أداة لمقاومة النسيان والتهميش، ووسيلة لبناء الحقيقة التاريخية من منظور الضحايا والشهود الذين تعرضوا للإقصاء أو الاضطهاد. كما أن استدعاء الذاكرة يهدف أحياناً إلى فهم ما جرى في الماضي وتجاوزه عبر الاعتراف بالمعاناة، والسعي إلى استيعاب الأحداث الصادمة وتضميد جراحها. غير أن الذاكرة، كما يبيّن الباحث، لا تشتغل بطريقة بريئة أو محايدة، وإنما تخضع لمنطق انتقائي يُحدّد ما ينبغي تذكّره وما يجب نسيانه. ما يفيد أنها قد تتحول إلى أداة إيديولوجية تُوظَّف لخدمة أهداف سياسية أو قومية تكرّس رواية معينة للتاريخ وإقصاء روايات أخرى منافسة. يؤدي هذا التوظيف إلى تهميش ذاكرة الأقليات والشعوب المستعمرة، وإلى إنتاج أشكال جديدة من الهيمنة الرمزية التي ما فتئت تُؤرق الشعوب المستعمَرة(التركة الكولونيالية).
يستند الباحث، في تأصيله النظري لهذه الإشكالية، إلى أفكار تزفيتان تودوروف(Tzvetan Todorov)، خاصة في كتابه "الشطط في استعمال الذاكرة"، الذي يُبرز فيه كيف تعرّضت الذاكرة في القرن العشرين إلى أشكال متعددة من الانتهاك على يد الأنظمة الاستعمارية والاستبدادية. فقد سعت هذه الأنظمة إلى محو الذاكرة الجماعية للشعوب المضطهدة والمستعمَرة بإحراق الوثائق والكتب، وتدمير المعالم التاريخية، وتزييف الوقائع والحقائق، وهو ما خلّف جراحا مادية ورمزية عميقة لا تزال آثارها ممتدة في الحاضر. ومع ذلك، فإن الضحايا غالبا ما يقاومون تدابير الطمس والنسيان بالتشبث بذاكرتهم والدفاع عنها. تتعيّن الشهادة، هنا، بوصفها إحدى أهم الوسائل التي تحفظ الذاكرة من الضياع؛ إذ تتيح للضحايا التعبير عن تجاربهم الشخصية وصدماتهم العنيفة، وتحويل معاناتهم الفردية إلى ذاكرة جماعية قادرة على مواجهة النسيان وإعادة الاعتبار للحقيقة التاريخية. كما يستحضر الباحث محمد الداهي تصورات بول ريكور((Paul Ricoeur في كتابه "الذاكرة، التاريخ، النسيان"، عندما يُوضّح أن التذكر الحقيقي يقوم على الوفاء لأحداث الماضي كما وقعت. غير أن هذا الوفاء يواجه عراقيل متعددة، منها النسيان أو الإفراط في التذكر، وكلاهما قد يؤدي إلى تشويه الذاكرة. فالمبالغة في استحضار أمجاد جماعة معينة وبطولاتها، مقابل تجاهل إسهامات الجماعات الأخرى، يفضي إلى ما يسميه ريكور ب"الذاكرة المطوَّعة"، أي الذاكرة التي تخضع للتوجيه والتوظيف الإيديولوجي بما يخدم مصالح محددة. هكذا، يخلص الكتاب إلى أن الذاكرة تُمثّل مجالا للصراع بين التذكر والنسيان، وبين الحقيقة والتزييف، وأن استعادتها في السرد الأدبي والثقافي تكتسي أهمية خاصة في الكشف عن الجراحُ المادية والرمزية التي خلّفها الاستعمار والاستبداد. بهذا الفهم، يغدو السرد وسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية، واستعادة أصوات الضحايا، ومقاومة كل أشكال المحو والإقصاء التي تهدف إلى تعزيز هيمنة الإمبراطورية وتدمير ذاكرة الشعوب المستعمرة سابقا.
تناول الباحث الجراج باعتماد فعلين، الأول تكليمي (perlocutoire) يتأسس على إلحاق الأذى بالآخر عبر اللغة، حين يمارس المتكلم سلطته وهيمنته من خلال الكلمات، بحيث "لا يقل الجرح اللغوي تأثيرا أو خطورة عن الجرح الجسدي بما يخلّفه في نفسية الإنسان من آثار أليمة"[1]. وتتجلى هذه الجراح في خطابات الكراهية والعنصرية والتمييز العرقي والجنسي، وما تنتجه من آثار نفسية واجتماعية عميقة. يستحضر الكتاب، في هذا السياق، ما ذهبت إليه جوديت باتلر(Judith Butler) في مؤلّفها "سلطة الكلمات: سياسة الإنجازي"، حين اعتمدت مفهوم "الهشاشة أو الجروح اللغوية" للدلالة على ما ينشأ عن "إثارة حساسية فئات معينة بألفاظ جارحة وصادمة"[2]، وهو ما يستدعي تجديد النظر في كثير من المفاهيم والتسميات ذات الحمولة الإقصائية والعرقية. يرى الباحث أن الخطاب الإمبريالي أسهم في ترسيخ هذه الجروح من خلال بناء لغة قائمة على التمييز الثقافي والعرقي، تقوم بتقسيم العالم إلى ذات متفوقة وعقلانية وأخرى متخلفة وشهوانية، بما يبرر إخضاعها واستعمارها. أما المستوى الثاني فيتمثل في الفعل التكلُّمي(Illocutoire) الذي تتحول فيه اللغة إلى وسيلة للإفصاح عن المعاناة واستعادة التجارب الجريحة. وهنا، يتوقف الداهي عند الوظيفة الاستشفائية للأدب، باعتبارها مجالًا يمنح المهمشين والمستضعفين والمرضى والسجناء والمهاجرين إمكانية التعبير عن آلامهم عبر الكتابة. بهذا الشكل، أصبحت السرديات الجريحة، سواء في شكل سير ذاتية أو مذكرات أو محكيات، تُشكّل اليوم فضاءً للكشف عن الأزمات الفردية والجماعية واستيعابها. في هذا الإطار، تنهض الذاكرة بمهمة محوريّة في صيانة الهوية الثقافية، إذ "تؤدي دورا كبيرا في ضمان الاستمرارية الثقافية التي تمكّن جماعة ما من الحفاظ على إرثها الثقافي والمعرفي المشترك، وصيانته من النسيان والتلاشي والدمار"[3].
يتوزع الكتاب، من خلال هذا التصور النظري، إلى محورين رئيسين؛ يهتم الأول بتحليل الصور النمطية التي تنتجها الإمبراطوريات في تمثيل الشعوب المستعمرة والمضطهدة، بينما يركز الثاني على أشكال المقاومة السردية التي تواجه الرواية الكولونيالية وخطابها الداعم للمنظومة الاستعمارية. وبين هذين المحورين ترتسم العلاقة بين الأنا والآخر بصفتها علاقة يغلب عليها التوتر والصدام، في ظل الصراع بين الذات الاستعمارية والذوات المستعمَرة. يعتمد الباحث لتفكيك هذه المكونات على مفهوم الصوريات (Imagologie) بوصفه حقلًا يدرس "مختلف التمثيلات التي تحملها الأنا عن الآخر، وهي جماع من القوالب والرواسم والمواقف والمشاعر التي تراكمت بمرور السنين في بنية ثقافية معينة، وأضحت خلفية معرفية أو مرجعية يُحتكم إليها ليس لرؤية الآخر فقط، بل للتعامل معه، واتخاذ موقف منه أيضا"[4]. يكشف هذا التعريف عن أن الصوريات لا تقتصر على دراسة تمثلات الآخر، بل تنشغل أيضًا بتفسير الكيفية التي تُبنى بها العلاقات بين الذات والغير في ضوء المرجعيات الثقافية والاجتماعية والتاريخية؛ أي أن الصورة التي يشكّلها كل طرف عن الآخر لا تنبع من التجربة المباشرة فحسب، وإنما تتأثر بالموروث الثقافي والصور المتداولة التي تُرسّخها الجماعة.
يقود هذا الوضع إلى ما يسميه الباحث ب"صدمة الغيرية"، حيث تقوم العلاقة، خاصة في السياق الاستعماري وما بعده، على الشعور المتبادل بالتهديد؛ فالمستعمِر يرى في الآخر خطرًا على مركزية حضارته، بينما يشعر المستعمَر بأن هويته مُهدّدة بالإقصاء والطمس. لذلك "غالبا ما ينظر -بحكم التجارب التاريخية- إلى الآخر بصفته عدوا يشكّل، على الدوام، تهديدا للهوية الذاتية"[5]. يؤكد الداهي أن الآخر يتجسّد في صور متعددة تختلف باختلاف اللغة والعقيدة والعرق والعادات والموقع الثقافي؛ وهو ما يجعل الصوريات تستعين بمجالات معرفية متنوعة، مثل علم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ، لفهم هذه التمثيلات وتحليلها.
من أجل فحص هذه المعطيات النظرية، يتناول الناقد، في الفصل الأول، رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس، مُحللًا تمثيل العلاقة الحضارية والنفسية بين الشرق والغرب، وهي علاقة يطبعها انعدام الثقة وهيمنة الصور النمطية المتبادلة. يحمل البطل العربي هاجس تحقيق انتصار رمزي، ولو عبر الفتح الجنسي، تعويضًا عن جراح المرحلة الاستعمارية، في حين يظل الغربي أسير الصورة الاستشراقية التي رسّخت في مخيلته الجماعية العربي بوصفه "صحراويا" و"متخلفا" و"فحلا"[6]. يؤدي تشبث كل طرف بهذه التصورات إلى توتر "الفضاء الثالث" بانعدام الحوار والتفاهم والتفاوض، وبتبادل الاتهامات وإعادة إنتاج الصور النمطية. تتواصل هذه الرؤية في الفصل الثاني، المخصّص لدراسة المشروع السيرذاتي لفدوى طوقان، حيث يُبيّن الباحث أن الصور السلبية تجاه الآخر ترتبط بسياقات استعمارية هدفت إلى تدمير الهوية الوطنية ومحوها. لذلك، تتجسّد صورة الإنجليز في السيرة بوصفهم "أصل الشر والبلاء"، بينما يظهر اليهود المتطرفون باعتبارهم قوة استعمارية تسعى إلى اقتلاع الفلسطيني من جذوره، وتهجيره لإقامة وطن استيطاني أحادي.
يتوقف الباحث، من جهة أخرى، عند أعمال الروائي الفرنسي موريس لوغلاي(Maurice Le Glaye)، مبينًا أنها تمثل خطابًا دعائيًّا يدافع عن المشروع الاستعماري في المغرب، من خلال الترويج لفكرة "تفوق العرق الفرنسي على مثيله المغربي، والإشادة به وتمجيده"[7]. ولهذا، تحتفي هذه النصوص بما يسمى بالملحمة الاستعمارية، وتصف المقاومة المغربية بكونها "شرسة" و"عنيفة" و"متوحشة"، مع تقديم المغاربة في صورة الكسالى والجهلة والمتخلفين، بما يضفي على الاستعمار شرعية أخلاقية وحضارية. يرى الداهي، من هذا المنطلق، أن روايات لوغلاي تنتظم ضمن بنية صراعية تقوم على مواجهة بين مستعمِر يسعى إلى فرض سلطته ونشر لغته وثقافته وقيمه، وشعب مقاوم يتمسك بأرضه ووحدته وهويته.
يُقدّم محمد المعزوز في روايته "حرب الكَوم" نموذجاً مضادا، إذ يعمل على استعادة تاريخ «المغاربة القوم» أو الكَوم ((Goumiers الذين جرى إدماجهم في الجيش الاستعماري الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية، للمشاركة في معارك كبرى إلى جانب دول الحلفاء ضد دول المحور، بدءا من حملات تونس وإيطاليا، مرورا بتحرير مرسيليا والألزاس، وصولا إلى الأراضي الألمانية سنة 1945. غير أن هذا الحضور العسكري، رغم أهميته التاريخية، ظلّ محاطا بالتجاهل أو التهميش داخل السرديات الرسمية، وهو ما يجعل من استعادته، بحسب الداهي، فعلاً مقاوما يسعى إلى كتابة جزء من التاريخ المنسي. وبذلك، تتحوّل الكتابة الروائية إلى فضاء لاستنطاق الذاكرة المغيّبة وبناء التجربة الاستعمارية من منظور الضحايا والمهمّشين، وعليه، يُفهم "الرد بالكتابة" بوصفه ممارسة نقدية تسعى إلى تفكيك الإرث الاستعماري.
تُؤكد الرواية، كما جاء في الكتاب، على إثبات الدور البطولي للكَوم المغاربة في الحرب العالمية الثانية، وتَمكّنهم من اختراق خطوط الألمان في أكثر من منطقة. لكن الحرب خلّفت أكثر من جراح بدءا بمحاولة تشويه سمعة الكَوم باتهامهم باغتصاب الإيطاليات رغبة في كسر سمعتهم التي اكتسبوها في أرض المعارك. وهنا، تأتي الرواية لمحاجة الأطروحة الكولونيالية، وتفكيك غاياتها، والكشف عن تهافتها بالدفاع عن مكانة الكَوم وسمعتهم. بهذا الفهم، تتغيا "رواية 'حرب الكوم' إصلاح أعطاب الماضي، وتضميد الجراح الرمزية والجسدية التي خلفتها الحرب العالمية الثانية في صفوف الكَوم وعائلاتهم ومواطنِيهم"[8]. فضلا عن ما سبق، فإن ممارسات الاحتلال الفرنسي كان لها الأثر البالغ على الوضعية الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للمغاربة، "بمصادرة أراضيهم، والتنكيل بهم، وإجبارهم على التجنيد، وخوض الحروب بالنيابة في الصفوف الأمامية"[9]، لأن السردية الكولونيالية لم تكن تنظر إلى المغاربة إلا بوصفهم أدوات لخدمة المصالح الفرنسية سواء أ داخل البلد، أم بتجنيدهم لخوض الحروب في أماكن أخرى. وجد الجنود صعوبة في فهم من هو العدو الذي يجب أن يحاربونه، لكنهم كانوا خاضعين لسلطة استعمارية تستغلهم، وتُوهمهم بأنها تحميهم وترعاهم. غير أن هذا لم يدم طويلا، فقد كان لتمرد عيسى إيذانا بتمرد جماعي مقاوم سيكون من نتائجه البعيدة حصول المغرب على استقلاله عام 1956.
نستخلص، في ضوء ما سبق، أن كتاب "جراح السرد" يقيم مشروعه النقدي على تفكيك آليات إنتاج الصور النمطية والخطابات الإقصائية التي رسختها التجربة الاستعمارية، مبرزًا الدور الذي تؤديه الكتابة في مقاومة هذه التمثيلات واستعادة أصوات المهمشين والجماعات الجريحة. بهذا المعنى، تصبح الكتابة فعلًا معرفيًا وأخلاقيًا يسهم في مساءلة التاريخ، وحفظ الذاكرة، والدفاع عن الهوية، وبناء علاقة أكثر إنسانية وعدلًا بين الأنا والآخر، بعيدًا عن منطق الهيمنة والإقصاء.
الرّد بالكتابة: جراحُ الذاكرة الاستعمارية
يُشكّل "الرّد بالكتابة" في التأليف ما بعد الكولونيالي أحد أهم الأشكال الإبداعية التي تسعى إلى تفكيك آثار الذاكرة الاستعمارية وإعادة مساءلتها، باعتبارها ذاكرة مثقلة بجراح مادية ورمزية لا تزال امتداداتها حاضرة في الواقع المعاصر. فالمرحلة الاستعمارية لم تكن مجرد لحظة تاريخية عابرة، وإنما شكّلت بنية عميقة من العنف الرمزي والمادي، وأنتجت آثارا طويلة الأمد تتجلى في استمرار أنماط الهيمنة التقليدية، كما في حالة فلسطين، أو في أشكال الاستعمار الجديد التي تتّخذ أبعادا اقتصادية وثقافية ولغوية أكثر خفاءً وتعقيدا. يصبح، من هذا المنظور، استدعاء الماضي الاستعماري في الكتابة الروائية فعلاً نقدياً يهدف إلى تفكيك صمت التاريخ الرسمي واسترجاع مكانة الأصوات التي هُمّشت أو أُقصيت من الذاكرة الجماعية.
أسهم إدوارد سعيد في التأكيد على دور التابعين والمستضعفين في الرّد على السرديات الاستعمارية الاستشراقية التي أصدرت أحكاما جاهزة ومزيّفة عن الشرق لتسهيل عملية احتلاله واستغلاله بترسيخ التفوق العرقي الغربي. في هذا المنحى، اضطلع سعيد بدور بارز في تفكيك خطاب الاستشراق، والتأسيس لنظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار. يركز الداهي على السيرة الذاتية "خارج المكان" التي يستعيد فيها سعيد نشأته وطفولته ومساره التكويني الذي تداخلت فيه هويات متعددة، ومرجعيات مركبة شكّلت "هويته المضطربة" التي تقع بالضبط "خارج المكان". بحيث كان يشعر دوما بالاغتراب؛ اغتراب مكاني ولغوي وهوياتي، بيد أن هذا الوضع مكّنه من تقوية شخصيته المرنة، وفكره الرصين، إذ "أسعفه ترحاله أو العيش خارج المكان في تكوين هويته الممتدة والحركية التي تحضه أكثر على تحطيم الحدود الوهمية، وممارسة النقد بحرية، ومساءلة السلطة المتعسفة أيا كان مصدرها ونفوذها، وفضح الصورة النمطية والسطحية التي يحملها الأمريكيون عن الإنسان العربي"[10]. انتمى سعيد وجدانيا وفكريا لثقافة الفضاء الثالث ضمن موقعِ إنسانٍ منفيٍّ بعيدٍ عن وطنه، وهو ما دفعه للانخراط في دفاعه عن قضية بلاده فلسطين، والرّد على السرديات الاستيطانية الصهيونية، والاعتزاز بهويته الوطنية والتاريخية والثقافية متسلحا بثقافة طِباقية مضادة، وسرد مقاوم يدحض المزاعم العرقية والعنصرية الساعية لاجتثاث الذاكرة الفلسطينية، وطمس معالم التاريخ، وتطهير الأرض من سكانها الأصليين.
يلاحظ محمد الداهي أن إدوارد سعيد يقف عند جراح مادية ورمزية كثيرة يتداخل فيها الذاتي بالجمعي، مثل مكابدته من الترحال المستمر بين القدس والقاهرة ونيويورك، ومعاناته مع مرض السرطان الذي ألمّ به في أواخر حياته، وإحساسه بالوجع الوطني بعد النكبة والنكسة وما تلاهما من أوضاع مأساوية زادت من تأزيم الوضع الفلسطيني على جميع الأصعدة. يبدو أن الجرح الاستعماري يشكّل قاسما مشتركا بين مختلف التجارب التي يتوقف عندها الباحث؛ فإذا كان إدوارد سعيد قد عبّر عن معاناة شخصية وجماعية نتجت عن المنفى والاقتلاع وفقدان الوطن، فإن عبد الرزاق قرنح ينقل بدوره آثار الاستعمار وما خلّفه من جراح مادية ورمزية عميقة في المجتمع التنزاني خلال الاستعمار الألماني(1886-1919) والإنجليزي(1919-1961). وهكذا تتقاطع التجربتان في الكشف عن تداعيات الهيمنة الاستعمارية على الإنسان، سواء بالإحساس بالغربة والتمزق الهوياتي أو بتصوير معاناة الشعوب المستعمرة واللاجئين وما يرافقها من فقدان للانتماء والاستقرار، مما يجعل الأدب فضاءً لاستعادة الذاكرة الجماعية والتعبير عن آلام المقهورين والمهمشين.
لقد ألّف قرنح رواياته باللغة الإنجليزية للرد على المستعمِر بتوظيف لغة الإمبراطورية ذاتها. يركز كتاب "الرّد بالكتابة" على إعادة تعيين موضع اللغة في السياق ما بعد الاستعماري، إذ يرى أن اللغة أداة تفرض بواسطتها الإمبراطورية هيمنتها الثقافية والفكرية على الشعوب المستعمَرة. لذلك فإن الكتابة ما بعد الكولونيالية تسعى إلى التحرر من هذه الهيمنة بتملّك اللغة الاستعمارية واستخدامها لأغراض مخالفة للمعايير المعتمدة. يُعرَّف أدب ما بعد الاستعمار بالتعامل مع لغة المركز الاستعماري بطريقتين متكاملتين؛ تتمثل الأولى في الإقصاء، وهو رفض الامتياز الذي منحته الإمبراطورية للغة الإنجليزية بوصفها النموذج الصحيح والوحيد للتعبير. لا يحيل الإقصاء على التخلي عن اللغة الإنجليزية أو عدم استعمالها، وإنما يعني رفض السلطة التي تدّعي امتلاك المعايير اللغوية والجمالية المطلقة. ومن خلال هذه العملية يتم التشكيك في المفاهيم التي كرّست تفوق ثقافة المستعمِر واعتبارها المقياس الذي تُقاس به بقية الثقافات.
أما العملية الثانية فهي الاستيعاب، وتعني امتلاك لغة المركز وتشكيلها بما يخدم الواقع الثقافي والاجتماعي للشعوب المستعمَرة. فالكاتب ما بعد الكولونيالي لا يكتفي برفض سلطة اللغة الاستعمارية، بل يوظفها بطريقة جديدة تجعلها قادرة على التعبير عن تجربته الخاصة. ويتجلى ذلك في إدخال المفردات المحلية والتعابير الشعبية والعادات الثقافية داخل النصوص المكتوبة بلغة المستعمِر؛ بما يؤدي إلى إنتاج لغة هجينة تحمل بصمة الهوية الوطنية والثقافية للمجتمع الذي يستخدمها. يسمي الداهي هذا الأمر ب"تملك لغة الإمبراطورية"، وتهجينها "حتى تستوعب التنويعات والفروق اللغوية المحلية، وتندّ عن وهم النقاء أو الصفاء اللغوي، وتشكّل أحاسيس ووجهات النظر بمكان مختلف، عادة ما يُنعت بالهامش"[11]. وهكذا، عمد الروائي قرنح إلى توظيف عبارات من اللغة السواحلية التي تتضمن في بعض الأحيان تراكيب عربية لتعزيز البعد التهجيني.
تكشف العلاقة بين الإقصاء والاستيعاب عن استراتيجية مقاومة ثقافية متكاملة؛ فالإقصاء يهدم سلطة المركز ويزعزع ادعاءه امتلاك الحقيقة والمعيار، بينما يعمل الاستيعاب على بناء خطاب بديل يمنح الشعوب المستعمَرة القدرة على التعبير عن ذاتها من داخل اللغة التي كانت أداة للسيطرة عليها. وبهذا تتحول اللغة من وسيلة للهيمنة إلى وسيلة للمقاومة وإثبات الهوية. ومن هنا، تصبح الكتابة ما بعد الكولونيالية مشروعاً لبناء الذات الثقافية واستعادة حق الشعوب في تمثيل نفسها والتعبير عن تجربتها الخاصة[12].
يبرز الداهي أن روايات عبد الرزاق قرنح تنتمي إلى الأدب ما بعد الكولونيالي الذي يسعى إلى مقاومة الهيمنة الاستعمارية والثقافية بالتمرد على المواضعات اللغوية المكرّسة، خاصة اللغة الإنجليزية المعيارية، من خلال تطويعها وإغنائها بمفردات وتراكيب مستمدة من اللغة السواحلية، مما يمنح الأقليات العرقية والدينية فضاءً للتعبير عن هويتها الخاصة. كما يعيد قرنح تمثيل الماضي الاستعماري برؤية نقدية جديدة تطرح أسئلة مغايرة حول آثار الاستعمار وتداعياته على الأفراد والمجتمعات. يتجلى هذا التوجه في تصوير التوتر الهوياتي والثقافي واللغوي الذي يعيشه الأفراد على الحدود بين ثقافات متعددة. لا يتوقف الرّد بالكتابة عند كتّاب الهامش، إذ هناك عدة مؤلِّفين ينتمون إلى المركز، لكنهم يناصرون بأعمالهم الهامش، ويجابهون النظرة الاستعمارية التي تحطّ من قيمة المستعمَر ومكانته، وتُفرغ ذاكرة الآخر من حمولتها الحضارية والثقافية بتعزيز عناصر تخلُّفّها وغرائبيّتها. يسجل الباحث أن الروائي جون ماري لوكليزيو يقدّم -في روايته "صحراء"- نمطا جديدا من الكتابة "يرد على مزاعم السرديات الكولونيالية، ويتخذ المسافة اللازمة حيال الصور المسكوكة والقوالب الجاهزة التي ما فتئت تُروّجها عن الآخر"[13]، وذلك بخلوّ كتابته من الألفاظ الجارحة، والنعوت المسيئة، والحقائق المموّهة، والإسقاطات الخارجية المتحيّزة للحضارة الراقية(الغرب) مقابل الحضارة المتخلّفة(الصحراء)، بقدر ما مثّل الآخر على حقيقته وتلقائيته، وبيَّن الدافع الأساس للمعمّر الفرنسي في الصحراء المتمثل في جني الأرباح، وليس في تعميرها وتحديثها كما يزعم.
على سبيل الختم
نخلص من هذه القراءة إلى مجموعة من الخلاصات والملاحظات نوردها فيما يلي:
أ - توزّع كتاب "جراح السرد: صدمة الغيرية والرد بالكتابة" إلى محورين كبيرين؛ يختص الأول ببيان الصور النمطية والمسكوكة التي تصوغها الإمبراطورية في تمثيلها للشعوب المستعمرة والمضطهدة، وينهض الثاني على الرّد بالكتابة ضد الرواية الكولونيالية وسردها الخادم للمنظومة الاستعمارية، وبين هاذين المحورين تنكشف العلاقة بين الأنا والآخر التي تأخذ في أغلب الأحيان بُعدا صداميّا.
ب ـ يعرض الناقد محمد الداهي مفهوم العقد السردي باعتباره إحدى وسائل الاستعمار لترسيخ هيمنته على الشعوب المستعمرة، إلى جانب العقد الاستعماري والعقد العرقي. فقد عملت الدول الاستعمارية، بعد الاتفاق على اقتسام إفريقيا، منذ مؤتمر برلين سنة 1885، على تبرير احتلالها بواسطة سرديات تدّعي نشر الحضارة والتنمية، بينما كان هدفها الحقيقي استغلال الثروات وإخضاع الشعوب. كما فرضت لغاتها وثقافتها لضمان استمرار التبعية حتى بعد الاستقلال، مما أدى إلى ظهور الاستعمار الجديد القائم على السيطرة الثقافية والاقتصادية. وفي المقابل، بدت سرديات مضادة تدعو إلى مقاومة الهيمنة، واستعادة الهوية الوطنية، وتعزيز تقرير المصير بتملك لغة المستعمر وتهجينها، وإسماع أصوات الضحايا، وإعادة كتابة تاريخهم من منظورهم. يُشبّه الداهي مهمة الروائي، في هذا المنحى، بمهمة الطبيب الذي يقوم "بتضميد جراح الضحايا"، و"مهمة الإخباري" الذي يوثّق جرائم الاستعمار ويعيد الاعتبار للمهمشين.
ب ـ يبين الباحث أن اللغة تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الأفراد وإلحاق الأذى النفسي والرمزي بهم، وليس مجرد وسيلة للتواصل. فقد تبادلت الشعوب عبر التاريخ أوصافًا مهينة للحطّ من قيمة بعضها بعضًا وإبراز التفوق العرقي أو الثقافي، كما ساهمت الحروب والاستعمار والصراعات في ترسيخ خطاب الكراهية والإقصاء، ما أدى إلى تنامي الحركات المتطرفة التي تدعو إلى رفض الآخر والانغلاق على الذات. وفي المقابل، يؤكد الداهي أن اللغة يمكن أن تكون أداة للتقارب وبناء السلام إذا استُعملت معجميات قائمة على الاحترام والتقدير والاعتراف بالآخر. فاعتماد خطاب منفتح ومتسامح يسهم في تضميد الجراح التي خلفتها الصراعات، ويعزز ثقافة الحوار والتعايش بين الشعوب، ويشجّع على التعاون وتحقيق المصالح المشتركة.
ج - يتميز الكتاب بتنظيمه المحكم؛ إذ جاء بناؤه متدرّجًا ومنسجمًا، ينتقل من تأصيل المفاهيم النظرية المرتبطة بالاستعمار وما بعد الاستعمار، مثل العقد الاستعماري (الاستحواذ على الدول واستغلالها)، والعقد العرقي(تثبيت التفوق العرقي الغربي) والعقد السردي(تكريس سرديات الإمبراطورية)، إلى تطبيقها على نماذج روائية وسيرذاتية متنوعة. كما حرص المؤلف على الربط بين الفصول والأفكار بخيط ناظم يجعل الكتاب وحدة فكرية متماسكة، حيث تتكامل المفاهيم مع الأمثلة والتحليلات، فينتقل القارئ من فهم الأسس النظرية إلى استيعاب تجلياتها في المتون الأدبية دون انقطاع أو تكرار. من هنا، يجمع جراح السرد بين عمق الرؤية ودقة التحليل، ويكشف عن خبرة علمية واسعة وإحاطة متميزة بقضايا السرد وأسئلته المركبة. كما تشدّ لغته النقدية الرفيعة، إلى جانب ثراء مادته العلمية، انتباه القارئ، وذلك باستطاعتها تحقيق توازن بين الصرامة الأكاديمية والمسعى التداولي، فبدت المفاهيم والإجراءات النقدية منسجمة مع السياقات التي تشتغل عليها، دون تعقيد أو غموض. كما انطوت المقاربة النقدية المعتمدة على تمثّل دقيق لمرجعيات الخطاب الاستعماري وما بعد الاستعماري، وعمقٍ واضحٍ في قراءة النصوص بقدرتها على النفاذ إلى طبقاتها الدلالية والثقافية والرمزية، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة أو القراءات الاختزالية. لذلك لا يكتفي الكتاب بوصف الظواهر السردية، بل يسعى إلى مساءلتها وتأويلها والكشف عن رهاناتها الجمالية والفكرية، مما يجعله إضافة نوعية إلى حقل الدراسات السردية والثقافية العربية.
[1] - محمد الداهي، جراحُ السرد، صدمة الغيرية والرّد بالكتابة، المركز الثقافي للكتاب، الدار البيضاء، 2026، ص 23.
[2] - نفسه، ص23.
[3] - نفسه، ص81.
[4] -نفسه، ص12.
[5] - نفسه، ص 14.
[6] - نفسه، ص53.
[7] - نفسه، ص155.
[8] - نفسه، ص130.
[9] - نفسه، ص126.
[10] نفسه، ص195.
[11] - نفسه، ص274.
[12] - بيل أشكروفت، غاريث غريفيث، وهيلين تيفن، الرّد بالكتابة، النظرية والتطبيق في آداب المستعمرات القديمة، ترجمة شهرت العالم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2006، ص73 وما بعدها.
[13] - جراح السرد، ص235.


























