بقلم/ محمد الدلواني
عندما تقف في أعتابها ، لا تبارحك رائحة التاريخ ولا دفء الجدران؛ فصنعاء ليست جغرافيا تمشى بالأقدام، بل حالة عشق تعاش بالارواح. فحين يسوقك القدر إلى مجالسة «نخبة صنعانية» بمجلس الشيخ . محمد صلاح، تجد نفسك أمام رجل يحمل كفاءة التعامل وفي ملامحه أصالة المدينة وتصبح ملزما وفور دخولك المكان بالشعور بالعراقة من اللحظة الأولى؛ وانك في بيت صنعاني بامتياز، لا يقاس بمساحاته، بل بمقدار ما يسعه من بشاشة القلوب وأناقة المظهر ونقاء الأرواح.
ففي هذا المجلس الصنعاني العتيق، تتلاشى المساحات ويذوب الغروب. حتى لمن دخل غريبا عن المكان وعن الملامح، فما هي إلا لحظات، ليجد كل شخص نفسه تسبح في فلك من الأنس والتآلف، وكأنه عرف وتعرف على غالبية الحضور منذ عقود . مدركا بان ذلك هو «طبع صنعاء» السحري؛ وذلك الإيثار الذي يستقبل به الصنعاني ضيفه أيا كان مستواه، لدرجة قد يشعر فيها كل من حضر أنه سيد المكان وقبلة الاهتمام فيه .
وخلال الجلسة يجد كل شخص نفسه متنقلا بين تفاصيل مدهشة؛ ديكورات تحاكي عبق الماضي وجمال الحاضر وقدرة مقدرة على استغلال المساحات ، وعطور وبخور يمر بك نسيمها بين الحين والآخر لينعش الخاطر، ومشروبات تقدم بكرم وإيثار ومحبة. الا ان الأجمل والأطيب هنا، هو"وجود النكتة الصنعانية"؛ وطريقة استدعائها وإدارتها بتلك البراءة الضاحكة التي يتقن أبناء صنعاء استدعاءها كطقس يومي لاستفتاح جلساتهم وفتح نوافذ السعادة في مجالسهم، وتجديد أجواء السعادة بأريحية يتقاسمها الجميع.
وفي جلسات كتلك تجد في المجلس سيمفونية نقاء والتقاء ارواح نادرة رجل الأعمال يجلس بجانب الطالب الشاب ومدير المدرسة يتبادل القفشات مع المنشد والشيخ وأستاذ الجامعة يفسح مجالا للطبيب
وجميع الحضور من الكبار والصغار ينصهرون في بوتقة واحدة من التناغم البديع.
لا موانع تقيد البساطة، ولا فوارق تعكر صفو الود ؛ بل نقاء وذكاء وجداني فريد في تسيير النقاشات وإدارة الوقت الذي تدار فيه الحوارات بمهارة، وتمرر فيه القفشات بعناية، لتدور وتفرض تجاوز دوران الزمن دون أن يشعر أحد بالملل.
وفي مجالس صنعاء، لا يقاس الوقت بالساعات بل بمقدار ما يرتاح فيه الناس باللحظات لزرع سعادة في قلوب الحاضرين."
وفي صنعاء غالبا ليس غريبا أن يقطع البعض المسافات الطويلة، ويتجشموا عناء الوصول إلى هذه المجالس. لإنهم يبحثون المودة ويجدون فيها " الالفة الصادقة وكفاءة التعامل" التي لا يجيدها إلا أبناء هذه المدينة العريقة،
وعن قيم التواصل التي تجعل من لحظات اللقاء أوقاتا استثنائية تحفر في الذاكرة دون ان تزول.
وبالنسبة لي لقد كانت زيارتي شبيهة بسياحة في « بساتين السعادة »؛ وجلسة تستدعي الاستحسان، وتزرع في نفس
من شهدها رغبة عميقة في أن لا تنتهي.. متمنيا استدامة مثل هذه المجالس، ليبقى الشيخ محمد صلاح وامثاله نماذج ملهمة وتبقى صنعاء دائما كما كانت: ملاذ البساطة، ومبعث البهجة، ومدرسة الأصالة التي
لا ولن تموت بفضل اصالتها ودور النجباء من أبنائها.
طيب الله أوقاتنا وأوقاتهم


























