سام برس
نظراً لاهمية أسلوب ومسيرة الكاتب الكبير والاديب الرائع والصحفي المخضرم الاستاذ عبدالرحمن بجاش ، وقلمه الانيق وحبره الشريف وسيرته الناصعة وبراعته في توثيق الاحداث والقضايا السياسية والاجتماعية والانسانية والوصف الجميل والرائع للمدن التاريخية الجميلة والغوص في عمق الحقائق رغم الاخطار والازمات التي تعكس للرأي العام سيرة حياة حافلة واحداث حساسة عاصرها الكاتب وكتبها ووثقها بطريقة سلسلة وأمينة واكثر مصداقية وحيادية ..

فاننا في موقع "سام برس" الاخباري يشرفنا أعادة نشر " زخات متناثرة من أسفار عبدالرحمن بجاش.. بقلم/ منصوري السروري والمنشور في صحيفة " النداء" ، لاطلاع الرأي العام واستقاء الفائدة من هذه الكلمات والجمل والعناوين والنصوص والمقالات التي كُتبت بماء الذهب ..

زخات متناثرة من أسفار عبدالرحمن بجاش..!


توطئة مهمة

يجلس الكاتب الأديب الأستاذ عبدالرحمن بجاش في مقعد الرائي، لا ليمنحنا تقريرًا صحفيًا باردًا، بل ليقد من صدر المسافات شظايا روح تمتزج فيها حبر المحابر بدموع الخيبة ومواقد الحنين المشبوب.
هو ليس جامع أخبار، بل هو جراح وعي، يمسك بمشرط الكلمة الشريفة لينبش عن جوهر الإنسان اليمني الصعلوك النبيل في زمن تكالبت فيه المطامع، وسقطت فيه الأقنعة عن وجوه نخبويّة باعت حُلْمَ الجيل ببطاقة مشيخ عند أبواب مصلحة شئون القبائل.
عندما نقرأ لبجاش، فإننا لا نقرأ حروفًا مصفوفة، بل ندخل في نفق الذاكرة معه، نشم رائحة القات في المقايل، ونستمع إلى غصة الساقي، ونرى غبار الطريق الممتد من صعدة إلى المهرة، حيث تقف الجغرافيا شاهدة على جمهورية قُتلت في المهد بحروب الضم والإلحاق.

إن مقام هذا المبدع هو مقام الوفاء الذي يأبى أن يموت، وهو موقف العصامي الذي يمشي على أرصفة الخذلان دون أن تتسخ عباءته الطاهرة بغبار الوظيفة أو فيد المسؤول الكبير.

هنا أحاول العبور في حدائقه النصّيّة، مقتفيًا آثار بعض كتاباته المنشورة في بعض المواقع الإلكترونية، وهي كتابات ليست للزينة الأدبية، بل هي خريطة وجدانية لليمن الذي نعرفه ونحبه.

أقول بعض كتاباته وليس كلها، وهذا البعض (33 مقالة تقريبًا) انتقيته من بين ما يزيد عن 200 مقالة له، كي أبني منها جدارية هذا القلم الذي لم ينحنِ يومًا، ولم يكتب إلا بإملاء الضمير وخفقان العروق.

من تلك المقالات التي وقفت أمامها متمعنًا، أستطيع الجزم أن أغلب الثيمات التي تعتمل في ذاكرة أستاذنا عبدالرحمن بجاش، وتتمحور مظاهر اشتغالاته الإبداعية إن في كتاباته الصحافية أو في كتاباته الأدبية، على النحو الذي سنأتي عليه لاحقًا.

1. سير الأمكنة وتحولاتها في القرية والمدينة
في تلافيف نصوص بجاش، تتحول المدينة إلى كائن حي يملك رئتين وقلبًا يحفظ ملامح الراحلين، لا جدران صماء أو أسمنت بارد، بل دفاتر عشق مفتوحة ومساحات وجدانية.

إنه لا يكتب عن شارع أو بيت أو مقهى، بل يكتب عن أمكنة تحولت إلى مدافن للأحلام، ومرآة لصدق الإنسان أو زيفه، وشهود عيان على تراجع القيم والانكسار روح الجمهورية التي آمن بها.

إنه يقرأ في تفاصيل "زقاق شارع الذهب" حكايات البسطاء الذين تهافتوا إلى صنعاء، ويحفظ حركة الأقدام في حارة "الصافية" التي احتضنت أحلام القادمين من الأرياف النائية محمولين على أجنحة الفقر والأمل.

في قراءته للمكان، نجد أن صنعاء ليست عاصمة سياسية، بل هي خزانة للذكريات الحميمة التي تلاشت تحت أقدام الغرباء والانتهازيين، و"بيت الصافية" ليس مجرد جدران طينية أو حجرية، بل هو شاهد تاريخي يسأل بجاش عبره: أي زعامات مرت من هنا وتركت أثرًا لا يمحوه الزمن؟

يتحدث عن "باب موسى" أو شارع "26 سبتمبر" في تعز، لا كموقع جغرافي طوبوغرافي، بل يعرض شريطًا سينمائيًا وبوابة كانت تفضي إلى زمن عفوية الناس الكريمة وحيث كانت أقدامهم تحفر طرقات الكفاح، مستودعًا للأسرار واللقاءات التي لا تتكرر.

وعندما يكتب عن "بيت التويتي" في شارع القيادة بصنعاء، فهو لا يؤرخ لبناء، بل يتتبع بأسى كيف تحول مقر صحيفة "الثورة" من منارة للفكر والمناكفة النبيلة إلى جدران صامتة شهدت خريف العمر الصحفي والرحيل.

المكان عنده هو الرحِم التي ولدت الهوية، ولذلك يبكي الأزقة عندما يعود إليها فيجد الصمت البليد يلف الجدران بعد أن مات أهلها وتبدل ساكنوها.

إن بجاش يوثق في مقالاته جغرافيا المحو؛ حيث يرى بأم عينه كيف تبتلع العمارة القبيحة ملامح التاريخ، وكيف تغتال السكينة في الأزقة القديمة، وكيف تمزق نسيج المدن بفعل الزحف العشوائي الذي أكل "بيت الصافية" كما أكل "أحلام الصافية".

إن ارتحاله الدائم بين تعز وصنعاء وعدن والحديدة، ثم حنين النيل في القاهرة، هو ارتحال في أعماق الذات اليمنية الباحثة عن مرسى ثابت في زمن التمزق والنزوح، ومسافة عمر يرى فيها الكاتب وجهه المتبدل مع تبدل أحوال الوطن.

يتتبع بدقة تبدلات المدن والشوارع والزقاق، رافعًا شهادة حية على الحجارة التي هدمت صمت الصابرين، والأرصفة التي تلاشت عليها أحلام البسطاء.

ولا أدل على ما أطرحه هنا من مقاله الوجداني والتوثيقي الشجي المعنون بـ"صنعاء حَوَت كل فنّ!.. كلهم قالوا، ماذا قلنا نحن؟"، الصادر في يناير 2021.

إذ يتخذ من صنعاء قلب اليمن النابض وعاصمة الروح، منطلقًا، فلا يكتفي باجترار عبارات الغزل والمديح التي ساقها المستشرقون والرحالة، بل يواجه الذات اليمنية بسؤال الفضول اللاذع للأستاذ النعمان القائل: "قد نحنا داريين ماذا قالوا.. ماذا قلت وفعلت أنت؟"، معريًا فظاعة التجريف والمسخ المنهجي الذي تتعرض له جوهرة المدن التاريخية بفعل الجهل والفساد وغياب الدولة.

ويستدعي بجاش انبهار مشاهير الفكر العالمي بصنعاء، مثل بازوليني ومورافيا وكلوديا فايان، لكنه يرى أن هذا المديح لم يشفع للمدينة التي تُرِكت نهبًا للتشويه، منتقدًا عقلية "المكارحة" لدى اليمني الذي يستحضر عبارة "صنعاء حوت كل فن" للنكاية والمفاضلة الجوفاء، دون تحويل هذا الفخر إلى سلوك مسؤول يحمي جدرانها من التآكل.

ويبكي بجاش بحرقة خسارة أبواب صنعاء التاريخية التي أُزيلت ولم يبقَ منها سوى باب اليمن، موثقًا حقيقة كشفتها عدسة صحيفة "الثورة" عام 2012 بوجود الباب التاسع شرق قصر السلاح والمخصص لدخول قوافل الحبوب، فضلًا عن وصفه للتشويه المعماري الذي طال البيت الصنعاني؛ حيث استبدل الأهالي الأبواب الخشبية بالحديد والنوافذ بالألمنيوم، ورفعوا طوابق عشوائية من البُلُك الخرساني الذي شوّه البلاد كلها.

ويروي الكاتب ثلاث شهادات غربية مؤلمة تبرز الفارق بين تقدير الآخر لصنعاء واستهتار أبنائها، أولاها صرخة المستشرقة الألمانية في وجه مسؤول يمني بأنهم لا يستحقون هذه المدينة، وثانيتها تأكيد سفيرة ألمانيا في برلين أن صنعاء التاريخية توفر لليمن ذهبًا لا مالًا فحسب، وثالثتها نشيج كلوديا فايان صاحبة كتاب "كنت طبيبة في اليمن" وهي تروي فاجعة نهب صنعاء وإلقاء المخطوطات حول الجامع الكبير، قبل أن تعود أيام القاضي الإرياني لتقدم من جيبها 20 ألف دولار لتأسيس نواة المتحف الوطني.

وينصف الكاتب تجربة الدكتور عبدالرحمن الحداد بدعم من رئيس الوزراء الراحل عبدالعزيز عبدالغني، لترميمه السماسر والمقاشم ورصف الشوارع بعين فنان، كما يوثق مرافقته للأديب جمال الغيطاني في الثمانينيات وهو يطوف بالأزقة مسجلًا تفاصيل القمريات والآبار المائية الخاصة بالبيوت.

وفي المقابل، يوجه نقدًا حادًا لعملية رصف سائلة صنعاء لتجاهلها نصائح المهندسين بضرورة استحداث حفر تغذية للمياه الجوفية، مما أدى لتجفيف الآبار بالتوازي مع تبخر مشروع بحيرة السائلة الذي تبرع له الملك فيصل بخمسة ملايين ريال في دهاليز الفساد.

يختتم بجاش مقاله مستشهدًا بذهول فتاة يمنية مغتربة عادت من أمريكا لتوثق حجم القبح والتجريف خلال سنوات الحرب التسع، ليضع روشتة إنقاذ عاجلة تتمثل في منع دخول السيارات إلى عمق المدينة القديمة، ومنع الباعة المتجولين من تشويه أسواقها، والإيقاف الفوري لعبث الكتابة على الجدران، ومنع استحداث طوابق خرسانية جديدة.

وتظل صنعاء عند بجاش كائنًا حيًا وامرأة جميلة تشوه نفسها لجهلها، والمسؤولية لإنقاذها تقع على عاتق الكل؛ لأن البديل هو بقاء المدينة رهينة في يد من يحمل مخدش عصيد يلوث معالمها، بدلًا من ريشة فنان تليق بجوهرة التراث الإنساني.

2. أنسنة الهامش، وتخليد البسطاء في الوجدان
لا تكتمل صورة بجاش دون الالتفات إلى أولئك الذين وضعهم في قلب السرد، لأنهم عنده بمثابة "ملح الذاكرة"، ويرى أنه بدونهم لا طعم ولا تذوق لقيمة كتابته، الأمر الذي جعله مسكونًا بهم، ويستمد منهم عوامل الاستمرارية ليس في الكتابة فقط، وإنما في عيش تفاصيل حياته برمتها، فهم الملح لذاكرته، والوقود لبقاء ذاكرته متوهجة بالحياة.

لا يجد بجاش أبطاله في صالونات السياسة، بل في دكاكين "محمد وعبدالله لاهب"؛ فدكان لاهب ليس مجرد مطعم للسلتة، بل هو محراب الكرامة.

وكأن هؤلاء الأبطال يمنحون المثقفين "السلتة" والكرامة، ويحملون همومهم في دفاتر ديون لا يطالبون بها أبدًا.

يصف بجاش كيف كان "لاهب" يغضب حين يطلب منه الحساب، كأنه يقول للكاتب: أنت صاحب قضية، فلا تشغل بالك بفتات الخبز.

في نصوصه، تتحول شخصية عامل المقهى، و"بائع اللحوح"، وبائع الصحف، والموظف المنسي في زوايا البيروقراطية، إلى أبطال تراجيديين وقامات وطنية لم تدنسها ألاعيب السلطة.

هو يكتب عنهم لا بدافع الشفقة، بل بدافع الإجلال؛ لأنهم يملكون النظافة التي فقدها الكبار.

إنهم "ملح الأرض" الذي يحفظ توازن البلاد من الانحطاط.

إن مقالاته مليئة بالقصص عن البسطاء الذين كانوا يطعمون البلاد بجهدهم، بينما كانت النخبة السياسية تأكل الأخضر واليابس.

يصف بجاش كيف كان هؤلاء الناس يتقاسمون لقمة العيش وشجن الحكاية، وكيف صمدوا في وجه عواصف الفساد بصبر أيوبي نادر، وكيف كانوا يطعمون "الطفارى" بصمت، دون أن ينتظروا جزاءً أو شكورًا من سلطة تتجاهلهم..؟

إن أنسنة الهامش في مشروعه هي قلب المشروع ونقد صريح لكل الأيديولوجيات التي تجاهلت الإنسان في سبيل صراعها على الكرسي.

وهنالك أسماء شخوص راسخة في وجدان الزميل عبدالرحمن بجاش، ولا يمكن لقلبه أو عقله أن يطالها النسيان مهما توالت الأيام.

أسماء ستظل معشعشة في ذاكرته الغنية، يستحيل أن تنمحي مهما تقادم به العمر وتباعدت السنوات عن رحيلها من الحياة، ومن أبرز تلك الأسماء الخالدة في وجدانه؛ قاسم صالح الرز، ذلك الصديق الوفي لوالده والذي لم يفرق بينهما سوى الموت القسري.

كان يسكن ويعيش معهم في رحاب الدار كأنه فرد حقيقي من أفراد الأسرة الكريمة.

ولم يحسسه والده بأي يوم من الأيام بالدونية أو النقص كونه من المهمشين، بل كان يغمره بالتقدير والاحترام.

بل إن أستاذنا عبدالرحمن بجاش لم يحدث في أية مرة يتذكره فيها أن وصفه بلفظ "الخادم" أو حتى بمصطلح المهمش، ودائمًا ما يذكره باسمه المجرد بكل إجلال العم قاسم صالح الرز.

وأكثر ما يعجبه في سيرته العطرة وتفاصيل حياته هي تلك القصة الخالدة للحب الشهيرة التي جمعت بين قاسم الرز وبين زوجته الوفية فاطمة.

وكثيرة هي التفاصيل الحية التي يحتفظ بها في مخيلته، وأشهرها ذلك اليوم الأغر عندما قام بزفه بالدف في شارع 26 سبتمبر بتعز، وهو صغير، لتصير تلك الزفة حديث حافة إسحاق وكل الأرجاء.

كثيرة الحكايات التي تتزاحم إلى جانب قصص قاسم الرز، حكايات العم قاسم إسماعيل صاحب دكان القرية المعتاد، ذلك الطبَل (مراسل القرية) الذي كان يقوم بنقل المراسلات الحية من وإلى القرية من مدينة عدن النابضة بالحياة.

وتبرز أيضًا قصة عبدالله عبداللطيف العزي الفريدة، وقصة حبه العميق لزوجته، وقصة ابنتهما الحزينة التي ماتت ودفنت بمكان متميز كتميز جمالها الفريد الذي كان محط نقاش أهل القرية وكل القرى المجاورة.

كما لا ينسى عبدالرحمن بجاش أن يسرد بوفاء ذلك الارتباط الوجداني الكبير بجدته أم والده، وبعمته شريفة التي ربته هو وإخوانه بحنان بالغ منذ أن كان عمره سبع سنوات عقب وفاة أمه.

وكيف أن عمته شريفة تمنت الموت وهي تضحك بملء فمها.. وتحققت أمنيتها الساطعة حيث وجدت ميتة بسكينة داخل غرفتها بعد أن دخلت من خارج البيت عقب نوبات ضحك بريئة مع جاراتها اللاتي كن يتحدثن معها ويضحكن معًا.

يحتفظ عبدالرحمن بجاش بكل تفاصيل القرية الدقيقة كأنها نقوش على حجر؛ أهلها الأوداء، ودورها الطينية العتيقة، وحقولها الغناء، ومساقيها المنسابة، وطرقها المتعرجة، وأبقارها الأليفة، ومأكولاتها الشعبية الشهية.

ولذلك كان يحرص أشد الحرص على زيارتها سنويًا في مواسم عيد الأضحى المبارك، باستثناء السنوات الخمس الأخيرة بسبب تعقيدات الحرب القاسية التي جعلت زمن السفر يتمدد إلى 17 ساعة قاسية بعد أن كانت لا تتجاوز 4 ساعات ممتعة من صنعاء إلى حضن القرية.

كان كلما زار القرية يوزع مدة إقامته فيها بحكمة المحب وتؤدة العارف؛ فتارة يجتمع مع أبناء القرية وخاصة أصدقاء طفولته المخضرمين ليخزن معهم ذكريات الأمس الجميل.

وتارة أخرى يزور عجائز القرية اللاتي مازلن على قيد الحياة، ليسلم عليهن ويجلس معهن طويلًا يتساقرون حديث الماضي.

وتارة ثالثة يزور الدار القديم مسقط رأسه، ويتنقل بين غرفه الموحشة التي بلاها الدهر، ويجلس طويلًا بإصطبل الثور والبقرة يستنشق عبق الماضي العريق.

وكثيرًا ما يتعثر بدموعه الساخنة وهو يشاهد أطلال الماضي تلوح كباقي الأوشام الحية على أوجه الجدران المقاومة عوامل الاندثار والتعرية.

لقد حدت ذروة الشغف العارف بالقرية عند عبدالرحمن بجاش أنه حرص كل الحرص على إلزام أولاده بدوام زيارة القرية على الأقل في فترة الأعياد والمواسم.

وذلك تجنبًا لحدوث أية فجوة شعورية بينهم وبين جذورهم الأولى، كما حدث ويحدث لكثير ممن استقروا بالمدن الصاخبة فانقطعوا عن قراهم ونسوا ينابيعهم الأولى.

3. أدب التفاصيل الصغيرة واللقطات التوثيقية العفوية
تتجسد التفاصيل الصغيرة كواحد من أهم المحاور التي يشتغل عليها الأستاذ عبدالرحمن بجاش في كتاباته.

يكفي العودة إلى قصة العمة قبول وبائعة البيض في منطقة كلابة بتعز، وكيف استطاع الكاتب أن يلتقط من تفاصيلها اليومية البسيطة نظامًا إداريًا صارمًا ودرسًا إستراتيجيًا عميقًا في التخطيط من خلال مقاله الإنساني البليغ المعنون بـ"حسن الإدارة.. صاحبة الضباب والبيض!"، الذي كتبه في يوليو 2021.

مقال أكد فيه بجاش على عبقريته في ممارسة الصحافة الإنسانية، بالتقاطه قصة امرأة ريفية بسيطة ليصنع منها درسًا استراتيجيًا عميقًا في الإدارة والتخطيط، عاكسًا مأساة الحرب التي التهمت أحلام البسطاء ودمرت بنيان الوطن.

يمكن تفكيك هذا النص المترع بالذكاء والأسى عبر النقاط التالية.

تأتي العمة قبول من وادي الضباب الشهير إلى مدينة تعز وتحديدًا منطقة كلابة، لتصنع هويتها ومكانها باختيار زاويتها التجارية بعناية هندسية فائقة تواجه ثلاثة اتجاهات للمارة.

فهي لا تبيع مجرد بيض بلدي، بل تبيع التزامًا وثقة جعلت الزبائن يقصدونها من حارات بعيدة، وتدرك قيمة الموقع الإستراتيجي في السوق لذا كانت ترفض أن ينازعها فيه أحد.

وفي حوار طريف وعميق مع الكاتب، تكشف العمة قبول عن نظامها الإداري الصارم؛ فبينما يشخطط الصحفي على الورق، كانت هي تشخطط بالطبشور على الجدار لتصنيف دجاجاتها الـ300: مَن بَاضت، ومَن لم تَبِض، ومن هنّ في سن الخدمة، ومن حان وقت تقاعدهن، لتكون بذلك مديرة لنظام متكامل للموارد والتغذية والرعاية والإنتاجية.

يستلهم بجاش من تجربة العمة قبول نموذجًا لإسقاطه على واقع الأفراد والدول؛ فيرى أنها كانت تمشي وفق دورة إدارية علمية تبدأ بالتخطيط ثم البرمجة فالتنفيذ والالتزام الصارم بالوقت.

ويوجه الكاتب هنا صفعة نقدية مبطنة للنخب التي تدير البلاد، مؤكدًا أن بالفهلوة لا تبني إنسانًا ولا بلدًا، وأن الخطابات الرنانة والدعاء المجرد لا يبنيان الأوطان ولا يديران الثروات، بل إن الإرادة والإدارة والرؤية والمشروع والعلم هي الطريق الوحيد للمستقبل، لتصبح العمة قبول في نظره بمثابة وزارة تخطيط تمشي على قدمين.

يربط بجاش بحزن شديد بين أمكنة المقال وتحولاتها الكارثية؛ فمنطقة كلابة التي كانت سوقًا ومستقرًا للعمة قبول تحولت إلى خط نار، وورشة قريبه السمكار أصبحت متاريس للمتقاتلين من الطرفين.

وكانت العمة قبول تطمح لتوسيع مشروعها وإنشاء مزرعة دواجن كبرى لتأمين دراسة سبعة من أولادها وبناتها، لكن الحرب جاءت لتقضي على الحلم تمامًا وتفرقت الدجاجات هاربات بين خطوط القتال، وضاع معها حلم الدولة المدنية المنظمة التي كانت تمثلها هذه المرأة في سلوكها اليومي.

يختتم الأستاذ بجاش مقالته بنهاية مفتوحة على الوجع السائد في تعز واليمن، متسائلًا بمرارة عن مصير العمة قبول: هل مازالت على قيد الحياة تكابد وعثاء النزوح؟ أم أن رصاصة قناص أو شظية صاروخ عابر حصدت حياتها وحلت محل أحلامها؟

هذا المقال هو صياغة مكثفة تلخص فلسفة عبدالرحمن بجاش؛ حيث تصبح قصة بائعة بيض بلدي مرآةً تُعرّي غياب الرؤية السياسية والاقتصادية لدى صناع القرار، وتوثق كيف تقتل الحروب العبثية المشاريع الصغيرة التي هي النواة الحقيقية لبناء أي مجتمع مستقر.

وطبعًا تتكامل مع مقالة قصة العمة قبول كثير من النصوص التي ترصد لقطات الحياة اليومية الحميمية والمشاهد العابرة التي تختزل زمنًا وثقافة بأكملها، لتنقل المقال الصحفي من مسار التعليق إلى مصاف السرد الروائي الواقعي الخالد.

تَتَمَيَّزُ عَيْنُ الأَدِيبِ القَاصِّ عبدالرحمن بجاش هنا بقُدْرَتِهَا الْفَذَّةِ عَلَى الْتِقَاطِ المَشَاهِدِ العَابِرَةِ والتفاصيل اليومية الحميمية التي قد لا يراها العابرون، لكنها تختزل زمنًا وتاريخًا وثقافة بأكملها، لتنقل المقال الصحفي من مسار التعليق إلى مصاف السرد الروائي الواقعي الخالد.

يبرز ذلك في لوعة غصته على كتابه أساطير هندية الذي أعاره لعلي السنباني قبل حركة أكتوبر بأيام، ولم يتمكن حتى من كتابة اسمه مكتبة بجاش على صفحته الأولى، ليصمت لأول مرة ولا يطالب بكتاب معار معتبرًا إياه خسارة الأهم، لتصبح القصة رمز لخسارة الوطن في لحظة إعدام وكل ما فقدناه في تلك الأيام القاسية.

يوثق بنبرة ساخرة وسوريالية حكاية السيكل النار للمسّاح، وكيف قايضه بكلب ألماني مع البرح، ليتحول الحبل في شارع علي عبدالمغني إلى رمز للصعلكة الحُرَّة التي تزدري المظاهر، معبرًا عن بساطة جيل كان يرى في اقتناء كلب رمزًا للحرية والتمرد على قيود المدينة الجافة.

ينقلنا إلى مشهد إنساني عميق للمسّاح النائم في ليالي المدينة الباردة على حصيرة فوق سرير شبك بارد بلا دفء في باب موسى، ليوفر قروشًا صغيرة يشتري بها الوزف والحلقة والملح ليرسلها إلى أُمّه في القرية عبر الطبل، في لقطة تنبض بالوفاء الفطري.

هذه اللقطات العفوية ليست حشوًا في نص، بل هي شظايا الروح وجوهر الأدب الواقعي اليمني الذي يقتنص اللحظة التي تسبق الانهيار أو تلي الفقد.

تضم مقالات بجاش تفاصيل حيّة عن الحياة اليومية في حقب الستينيات والسبعينيات والثمانينيات؛ فرائحة القهوة صباحًا، وصوت المذياع الناقل لأخبار لا تصدق، وملابس العيد كحلم للأطفال، وتفاصيل كيف كان الناس يعيشون ويغنون ويحبون، كلها صور تحفظ الذاكرة من التآكل وتجعل المقال وثيقة إنسانية تضج بالحياة بفضل قلم يرى ما لا يراه الآخرون.

4. الحياء والنزاهة والمعارك القيمية ضد التشويه الأخلاقي
في هذا المحور نقف بإجلال أمام الكاتب الصحفي والفكري عبدالرحمن بجاش الذي خاض ومايزال يخوض بكل شجاعة وصلابة من خلال مقالاته الرصينة معارك قيمية فكرية ضارية ضد التحولات المشوهة والوقاحة المتمثلة في انتهازية المتربحين، مفتشًا بدقة عن سيكولوجية الحياء الرفيع، وعزة النفس الأبية، وطهارة اليد النظيفة كأرقى درجات المقاومة المجتمعية في زمن الجشع المادي والانحطاط القيمي.

إن مقاله التاريخي البارز المعنون بـ"عبدالغني علي.. الرجل الشامل!، سيأتي يوم يزال فيه الغبار عن اسم ذلك الرجل"، الصادر في سبتمبر 2020، يعد بحق من أهم المقالات إن لم يكن المقال الأهم على الإطلاق الذي قام برد الاعتبار التاريخي المستحق لواحد من أنقى وأذكى عباقرة الرعيل الأول للجمهورية اليمنية، وهو الخبير الاقتصادي والمالي الفذ الراحل عبدالغني علي أحمد، أول وزير خزانة يمني حقيقي بعد قيام ثورة 26 سبتمبر الخالدة.

إن نص ذلك المقال العميق لا يعد مجرد رثاء متأخر لمسيرة راحل عظيم، بقدر ما هو محاكمة قلمية شجاعة وموضوعية لجحود الذاكرة الوطنية الرسمية والشعبية التي تعمدت لأسف شديد دفن وتهميش وإقصاء مهندس مداميك الاقتصاد اليمني الحديث وباني أركانه الأساسية.

ينطلق الكاتب عبدالرحمن بجاش في استعراض هذه الملحمة من تفصيل إنساني عابر ودافئ يعود لعام 2013 أثناء تلقيه واجب العزاء في وفاة والده المرحوم قاسم بجاش في مدينة تعز، حين تقدمت منه امرأة وقورة لتُعرّفه بنفسها بكل كبرياء قائلة بعبارات موجعة: "أنا شفيقة زوجة عبدالغني علي أحمد".

عبرت تلك المرأة الفاضلة بحسرة بالغة عن انزعاجها الشديد من صدور كتاب غير منصف ولا دقيق عن شقيق الراحل، وهو كتاب لا يليق أبدًا بمكانة وقامة زوجها التاريخية، وهو الموقف الإنساني النبيل الذي ظل بمثابة الشرارة الحافزة لبجاش لينبش في أوراق التاريخ المنسية مستندًا في ذلك إلى كتيب توثيقي نادر للأستاذ سلطان أحمد زيد كمرجع أساسي شبه وحيد عن هذا الرجل الشامل.

يعدد بجاش بافتخار واعتزاز المؤسسات السيادية العملاقة التي ولدت وتأسست من عبقرية عبدالغني علي المفرطة في ستينيات القرن الماضي تحت مظلة وثقة رئيس الجمهورية الأسبق المشير عبدالله السلال، تلك الفترة التي شهدت ولادة نواة الدولة الحديثة.

من أبرز هذه المؤسسات الوطنية الكبرى البنك اليمني للإنشاء والتعمير بفكرة إنشائه العبقرية الرائدة عبر دمج بنكي الأهلي والإندوشين ليكون أول بنك وطني صلب يقود قاطرة الاقتصاد الوطني الناشئ، إلى جانب تأسيس وزارة الخزانة ولجنة النقد اليمنية التي تحولت لاحقًا وبتطور طبيعي إلى البنك المركزي اليمني.

شمل ذلك العطاء العظيم أيضًا تأسيس الشركات والمشاريع الزراعية الاستراتيجية الهامة مثل شركة المخا للزراعة ومشروعي جميشة وسردود الحيويين بهدف بناء أمن غذائي حقيقي ومستدام للبلاد في مرحلة التأسيس.

يتتبع المقال بأسلوب سردي مشوق نبوغ عبدالغني علي المبكر الذي انطلق فيه صاعدًا من ريف تعز الأنيق إلى عدن المتاخمة للثقافة ثم القاهرة وأمريكا طلبًا للعلم، ليعود إلى الوطن قبل قيام الثورة ويختاره الإمام البدر بنفسه عضوًا في المجلس الأعلى للإنعاش للاستفادة القصوى من عقليته الإدارية والعلمية الفذة.

لكن الإمام البدر تاه للأسف تحت سطوة وثقل موروث والده الاستبدادي الإمام أحمد عاجزًا تمامًا عن استيعاب أفكار عبدالغني العصرية المتطورة، مما عجل بالتدخل العسكري الحاسم للجيش والثوار وحسم الموقف التاريخي في 26 سبتمبر 1962.

حمل الريال اليمني الجمهوري الورقي الإصدار الأول التوقيع الرسمي لعبدالغني علي بصفته وزيرًا للخزانة، ليحرص اليمنيون الأحرار على وضعه بفخر في جيبهم الأيسر الملاصق للقلب مباشرة كحرز مقدّس يحمي ذاكرة الثورة الفتية من محاولات الطمس والتجريف الممنهج.

يثني الكاتب بحرارة بالغة على نقاء وسجية المشير عبدالله السلال الذي وضع ثقته المطلقة في عبدالغني واعتبره أكثر من مجرد وزير ومستشار عابر، وذلك دون الالتفات إطلاقًا للمناطقية البغيضة التي تحولت لاحقًا بفعل أمراض الصراع السياسي إلى ما يشبه لعنة الفراعنة المعاصرة لتلغي كفاءات أبناء تعز والحجرية ظلمًا وعدوانًا.

يستنكر الكاتب بمرارة واضحة غياب اسم هذا الرمز الوطني الكبير عن أروقة جامعة صنعاء وقاعات التدريس فيها وعن أرشيف وزارة الخارجية، رابطًا بخيط تحليلي رفيع فكره الاقتصادي المتسق بمسار تلميذه الوفي الراحل عبدالعزيز عبدالغني الذي قاد لاحقًا في عهد الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي عملية مأسسة الدولة عبر إنشاء الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة ونيابة الأموال ولجنة التصحيح الكبرى.

يستشهد الكاتب في متن مقاله بشهادة أديب اليمن الكبير وشاعره الفذ عبدالله البردّوني في حق عبدالغني علي حين قال عنه بكل صدق إنه كان قوي الحس بالوطن، ولم يترك وراءه عمارة فارهة أو أرصدة بنكية ضخمة، بل خرج من المناصب الوزارية السيادية نقيًا تمامًا خروج الأمطار البيضاء من ضمائر السحب العالية.

يختتم بجاش مقاله بمرارة واختناق حول النهاية المأساوية لهذا العبقري الفذ الذي عاش سنوات عمره الأخيرة فقيرًا منسيًا ومغتربًا بصمت قسري في مصر حتى وافاه الأجل المحتوم عام 1977 دون حتى إقامة جنازة رسمية تليق بحجم إنجازاته ومكانته التاريخية الكبرى.

يؤكد الكاتب بوعيه الصحفي والوطني النافذ أن طمس معالم هؤلاء الرواد العظام هو جزء لا يتجزأ من جناية الجهل الكبرى المرتكبة بحق الدولة اليمنية الحديثة، وأن إزالة الغبار عن سيرهم العطرة هو العتبة الأولى والأساسية لاستعادة روح سبتمبر الحقة وبناء الغد المأمول على أسس متينة من النزاهة والعلم والكفاءة.

5. اخضرار الذاكرة بطين الأرض، ومواسم الزراعة
يتمظهر هذا المحور بوضوح في المقال الوجداني والبيئي البديع والمعنون بـ"فبراير مطير!" (فبراير 2016)، حيث يمزج الأستاذ عبدالرحمن بجاش ببراعة فائقة بين الحنين الشفيف إلى تفاصيل الطبيعة اليمنية البكر وبدائعها الزراعية، وبين التحذير الموجع من اندثار المعرفة الزراعية التقليدية وهجران المدرجات الزراعية التي نحتها الأجداد بجهد مضنٍ.

تحتل الأرض في فكر بجاش التنموي والفكري مكانة رفيعة هي أقرب إلى العقيدة المنسية وحكاية حب قديمة راسخة في الوجدان؛ فالطين ليس مجرد تراب يُداس بالأقدام، بل هو الرحم الدافئة التي منحت اليمني وجوده الأصيل وحريته وهويته الزراعية العريقة بامتياز، حيث يتحول خروج اليمني من الأرض وانسلاخه عنها إلى خروج حقيقي من التاريخ نفسه ومرافعة حانية في عشقها في مواجهة جيل الاستهلاك والمستورد.

يمزج الكاتب بين الحنين العميق إلى تفاصيل الطبيعة وبين التحذير الجاد من ضياع الموروث الزراعي، مستحضرًا الذاكرة المناخية لمدينة صنعاء التاريخية حيث كان الغيث ينهمر مدرارًا ابتداءً من شهر فبراير لتتهيأ الأرض تمامًا لعملية البذار والحرث في شهر مارس.

يربط الكاتب بوعي عميق بين هبة الطبيعة ووعي القيادة السياسية في فترة السبعينيات المجيدة، مترحمًا على الرعيل الأول والرواد الأبرز، مثل الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، وأحمد عبده سعيد، وعبدالرحمن نعمان، أولئك الذين جعلوا من شهر مارس عيدًا وطنيًا حقيقيًا للتشجير والاهتمام بالغطاء النباتي.

يقف الكاتب مذهولًا أمام ما يمكن تسميته "الوعي الفلكي الزراعي" للأجداد، والذي كان يمارس كأنه طقوس مقدسة، مقدمًا توثيقًا أنثروبولوجيًا رفيعًا للقاموس الزراعي اليمني القديم وعلامات السماء، مستعينًا في ذلك بحكمة جدته الحنون "نعمة" حين كانت تصعد لسقف الدار وترنو ببصرها إلى جبال الصلو، فإذا لمع البرق أو ما يسميه "البويرق"، نزلت ممتلئة بالفرح العارم لتأمر نساء الدار بالاستعداد التام لغيث الغد، مستحضرًا أيضًا نموذج العم قاسم علامة القرية الذي كان يستقرئ الشتاء بحنكة، إضافة إلى نموذج البصير في الصلو الذي يقبض بحرص حفنة من تراب الأرض فيأمر أهله بالذري، مستذكرًا أسماء المواسم الزراعية العريقة مثل "الرديس، البتلة، البذر، الفقح، التحويض، وأمطار الصيف والشتاء"، في استذكار دقيق كيف كان الفلاح اليمني يقرأ صفحة السماء، ويعرف وقته بدقة من حركة النجوم بفطرة علمية أصيلة.

يوثق الكاتب بأسلوب شيق عبقرية الفلاح اليمني في مناطق مثل حجة في برمي الأحجار الصغيرة حول شجيرات البن لحمايتها الفعالة والحفاظ على رطوبة التربة، وهي الوسيلة الذكية والفريدة التي انبهر بها أحد الخبراء الأجانب حين شاهدها بأم عينه.

يوجه الكاتب نقدًا حادًا وقاسيًا لجيل "البقالة" والمستهلك الكسول الذي هجر المدرجات الزراعية الباهرة التي نحتها الأجداد وحفرها الأولون بأظافرهم في صدور الجبال الشاهقة، محذرًا بشدة من خطر الاتكال التام على المستورد والعيش على ما تأتي به الأسواق التجارية بحثًا عن أوهام الخلاص السهل.

تعد المقارنة الدقيقة التي يعقدها بين الفلاح الأصيل والجيل المستهلك مقارنة موجعة، لكنها ضرورية ولا غنى عنها، إذ تحول المدرجات في مقالاته إلى قصائد حجرية شاهقة يسكنها غضب الكاتب الساطع على حاضر لا يزرع ولا يحصد إلا الخيبة، غارقًا في بلادة السهر وهجران المدرجات، حيث يمر شهرا فبراير ومارس دون أي انتباه أو التفاتة للأرض وخيراتها.

إن غياب "الحنان تجاه التربة" وهجران المدرجات الزراعية هو في نظره النافذ بداية الخراب الحقيقي، حيث حل ثالوث التخلف المتمثل في "القَاتِ وَالنَّوْمِ وَالتِّلْفِزْيُونِ" محل الفأس الأصيل وأغنيات المطر الفطرية، معزيًا هذا التبلد المجتمعي الخطير إلى سيطرة هذا الثالوث البائس على عقول الأجيال.

يأسف الكاتب بمرارة لكون الأجيال الجديدة لا تعرف شيئًا يذكر عن الأشهر الزراعية ومعانيها، مما جعل العشق القديم للأرض يتلاشى شيئًا فشيئًا، رصدًا متعمقًا لتفتت الملكية الزراعية وغياب دور الدولة ومؤسساتها، مما يجعل المزارعين يخسرون أموالهم الطائلة في عملية الذري لعدم التزامهم العلمي بموعد الحصاد المناسب.

مع تفاقم التغيرات المناخية الحديثة، يقف الفلاح اليمني اليوم وحيدًا بلا إرشاد أو دعم، مما أدى بصورة مباشرة إلى هجران المزارع وحلول دكان البقالة كبديل بائس لإنتاج الأرض الوافر وعطائها المستدام، فالأرض بطبيعتها لا تعطي خيرها أبدًا لمن يهجرها ويسخط عليها.

يختتم عبدالرحمن بجاش مقاله المتبوع بهذا الشجن بتساؤل عميق يحمل في طياته غصة وأمنية غالية: "الآن هل يكون فبراير موعدًا لبدء الخصب؟ وهل نرى مارسًا موهبًا للتشجير؟"، ليرد الأمر في الأخير لله سبحانه وتعالى، مؤكدًا في الوقت ذاته أن اليمن السعيد لن يستعيد سعادته الحقيقية ومكانته المنشودة إلا إذا عادت العربة والحصان إلى مكانهما الطبيعي لتَدور آلة الإنتاج الحقيقي في المزارع لا في خيالات المقيلين العابثة.

6. حراسة الذاكرة الوطنية ومحاكمة عجز النخب الحزبية
لتأكيد مضمون هذا المحور اكتفيت من بين عشرات المقالات بثلاثة مقالات قرأتها بعمق كالمقال المعنون بـ"المبصر الأكبر"، رثاء رائي اليمن الشاعر عبدالله البردّوني، والمقال الذي يوثق نضالات أبناء الحجرية ودورهم المحوري في تثبيت مداميك النظام الجمهوري وحماية الثورة، وكذلك المقال الذي يرثي أرملة القائد عيسى محمد سيف، ويحاكم عجز النخب الحزبية عن تدوين تاريخ الرواد والشهداء الأبرار الذين طواهم النسيان عمدًا أو تقصيرًا.

سنلاحظ في المقالات الثلاث كيف يتحول قلم عبدالرحمن بجاش إلى محكمة للتاريخ وموضوع ملحّ ومتكرر عندما يتناول ملف الرواد والشهداء الذين طواهم النسيان عمدًا أو تقصيرًا من النخب الحزبية، صارخًا بحرقة في أعمدته متسائلًا: "أين عيسى؟ أين السنباني؟ أين السقاف؟ أين محمد إبراهيم؟"، ومشيرًا إلى أن كبريات الأحزاب قتلت نفسها ووأدت تجاربها حينما أهملت ذاكرتها.

يرفض معزوفة الأعذار الجاهزة (مافيش وقت، مش وقته)، وموجهًا نقدًا لاذعًا لعجز القيادات التاريخية عن التدوين، معتبرًا أن تدوين سيرة الأبطال ورموز الحركة الوطنية (ثورة سبتمبر وحركة أكتوبر 1978) هو طوق النجاة للأجيال الجديدة حتى لا تتوه في دهاليز الهويات الضيقة وزرعها في رؤوس الشباب كدليل هاد للمستقبل.

يهاجم صديقه الكاتب حسن العديني بحبّ حادّ، مطالبًا إياه بجلد الذات وإخراج شهداء حركة 15 أكتوبر 1978 إلى العلن، فلا يكفي أن نتغنى بأسمائهم في المناسبات ثم نمضي، بل يجب نبش وإخراج سيرهم من أدراج الوثائق الحزبية المغلقة.

الذاكرة عند بجاش هي الخط الدفاعي الأخير عن الجمهورية؛ فعندما يُسأل المخضرم الكبير من شابّ انضم حديثًا "من هو عيسى؟"، ويقف عاجزًا عن الجواب، فتلك هي الفاتحة على نهاية المشروع النقي، مما يجعل حفظ الذاكرة ونشر سير الأبطال واجبًا حتميًا لا يحتمل التأجيل.

في مقال وجداني حزين ومعنون بـ"المبصر الأكبر"، أغسطس 2020، يفتح الأستاذ عبدالرحمن بجاش سفر النحيب الوطني على رحيل رائي اليمن الأكبر الشاعر والمفكر العظيم عبدالله البردّوني.

النص ليس مجرد رثاء متأخر، بل محاكمة قلمية شجاعة وجلد صارم للنخب والسلطات والمجتمع الذي غرق في العمى الوجداني، ليتعامل مع قامة بحجم البردّوني بجهل وجحود، واصفًا إياه بأنه كان المبصر الوحيد في بلد كله عميان.

يستهل بجاش مقالته بتساؤل فلسفي: كيف لبلد أن يمتلك بصيرة حين تغيب عنه الحكمة والعقل ليتحول إلى قطيع من أغنام لا تدري من راعيها؟

ورفضًا للتشاؤم، استدعى مقولة الدكتور عبدالكريم الإرياني بأن "الأمل يشتي عمل"، فالوصول إلى الإنقاذ يتطلب جهدًا مضاعفًا لا شعارات جوفاء.

يتحسر بجاش على مصير البردّوني في وطنه، مؤكدًا أنه لو كان في أمة تحترم مبدعيها لُصيغت من سيرته التماثيل والمناهج الدراسية.

ويوثق بمرارة لفلفة جنازته كأنه نكرة، في وقت كانت الدولة تنكس أعلامها لموت الفاسدين، منتقدًا موت العقول الذي ينتظر قرارات فوقية للفرح أو الحزن.

يوجه الكاتب عتابًا لاذعًا لورثة البردّوني الذين اختلفوا على متاع مادي، تاركين منزله ركامًا وخرابًا، معلنًا أن الشاعر يُقتل كل يوم بينما يكتفي الجميع بالولولة ثم النسيان.

كما يبدي حزنه لعدم وجود قاعات أو شوارع كبرى تحمل اسمه سوى مسقط رأسه بذمار، معتبرًا أن بلدًا عجز عن تسمية شوارعه غير جدي بحجم البردّوني.

وأمام هذا الموت الجماعي للذاكرة، ينحني بجاش احترامًا لجهود شخصيات أبقت جذوة الشاعر مشتعلة، ممتدحًا الأستاذ محمد القعود رئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، آنذاك، لجهده المحلي، والأستاذ محمد جسار، لجهوده عبر الفضاء الرقمي.

يختتم بجاش مقالته بلقطة إنسانية حين اقترب من البردّوني أمام مكتبة أبو ذر بصنعاء، فهمس له بصدق: "أقسم إنك المبصر الوحيد في هذه البلاد"، لتلاحقه ضحكة البردّوني الساخرة.

وبعد أسبوع مات الشاعر، وبعد أسبوع نسيته البلاد بأمر الرئاسة وسلطة الحكم التي ضاقت بإناراته.

يصرخ بجاش في وجه التبلد السياسي والثقافي، مبينًا أن البردّوني كان الرائي الاستراتيجي الذي قرأ مستنقع الجهل، مبرئًا ذمته بمقته للنفاق، ومؤكدًا بحسم: وسيأتي من يقول: يا رجال لا تحاكم الأموات.. هزلت!

يمثل هذا المقال قراءة وجدانية وتاريخية عميقة من الكاتب والصحفي القدير عبدالرحمن بجاش، يمتلك من خلالها ذكريات حية عن مرحلة التكوين، ليسلط الضوء على شهادة تاريخية ووجدانية لإنصاف منطقة "الحجرية" (جنوب تعز) وأبنائها، مستعرضًا تضحياتهم الكبيرة ودورهم المحوري في تثبيت دعائم النظام الجمهوري، وحماية وتثبيت المكتسبات الوطنية لثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر، وتحديدًا دفاعهم المستميت عن الجمهورية خلال حصار صنعاء، وبناء الدولة اليمنية الحديثة.

يفرد الكاتب مساحة خاصة للقائد البطل عبدالرقيب عبدالوهاب كقائد للمظلات ورئيس للأركان وقائد الصاعقة والمظلات في ملحمة السبعين، منتقدًا بشدة محاولات طمس تاريخه وقبره واسمه بسبب عدم انتمائه لـ"قبيلة ومشايخ يهزون العصا".

روى الكاتب قصة رفض عبدالرقيب إغراءات مغادرة صنعاء إلى القاهرة أثناء الحصار قائلًا: "لا أملك من الدنيا غير هذه البدلة، سأظل أقاتل حتى النهاية".

ينقل شهادة رفيقه اللواء يحيى محمد الكحلاني (الذي سكن معه في بيت واحد)، حيث أقسم إنه لم يكن حزبيًا، بل كان مقاتلًا مهمومًا بالوطن.

يستحضر الكاتب مأساة الأديمي (رافع شعار "الجمهورية أو الموت") الذي عانى الجوع في قريته أواخر أيامه، والوحش وغيرهم من القادة (مثل محمد صالح فرحان، مثنى جبران، علي شعنون) الذين طالهم النسيان.

يبرز الكاتب دور عبدالغني علي كعقل اقتصادي ورجل مال (وليس مجرد سكرتير للسلال)، ويستذكر الشيخ عبدالحق الأغبري الذي قال عنه المشير السلال للمصريين: "هذا الشيخ الوحيد الذي يعطي للثورة، ولا يطلب من الدولة شيئًا".

يستشهد الكاتب بشهادات وتصريحات قادة كبار عاصروا الأحداث مثل اللواء حمود بيدر (صاحب مقولة "أنتم وقود الثورتين ولا تدرون")، واللواء علي عبدالله السلال، واللواء علي مغلس، والأستاذ أحمد محمد النعمان.

يؤكد الكاتب أن أبناء الحجرية شكلوا النواة الصلبة للحرس الوطني الذي حمى ثورة سبتمبر قبل وصول الجيش المصري، مؤكدًا على لسان اللواء علي عبدالله السلال أن السواد الأعظم من هؤلاء المقاتلين الرواد كانوا من أبناء الحجرية الذين تدفقوا من عدن ومناطقهم للدفاع عن الجمهورية الوليدة.

يشير الكاتب بالفم المليان إلى التدفق البشري الهائل من أبناء المنطقة نحو الكليات العسكرية، وسلاح الطيران، وتدفقهم بكثافة كطيارين ومهندسين وضباط في ألوية الصاعقة والمظلات.

خاض أبناء المنطقة المعارك دفاعًا عن الجمهورية في كل جبال وسهول وأودية شمال الوطن ضد الملكية، دون أن يقلل ذلك من أدوار بقية أبناء اليمن، بالإضافة إلى دورهم البارز في الكفاح المسلح لثورة 14 أكتوبر انطلاقًا من جبال ردفان في الجنوب.

يوضح المقال كيف استُخدم شعار "الحزبية تبدأ بالتأثر وتنتهي بالعمالة" كسيف مسلط للتخلص من قادة وضباط الحجرية عقب أحداث أغسطس المشؤومة، وتحويل الكثير من الكفاءات المدنية والعسكرية إلى "شهداء أحياء" بالإقصاء والإحالة القسرية إلى البيوت أو القطاع المدني.

يناقش المقال كيف استُخدمت تهمة "الحزبية" لإقصاء الكفاءات العسكرية والمدنية، برغم أن قادة آخرين من مناطق أخرى كانوا حزبيين ولم يطلهم نفس الكيل بمكيالين.

يوثق بجاش الهجرة الإيجابية لأبناء الحجرية عقب الثورة صوب المدن الكبرى (تعز، الحديدة، وصنعاء)؛ حيث أسسوا شركات المقاولات، وفتحوا الدكاكين في باب اليمن وشارع علي عبدالمغني ممتدين حتى صعدة، وحرثوا الأرض والبحر جنوبًا طلبًا للرزق وإنعاش المدن.

ساهم تجار المنطقة بأموالهم وتجارتهم في تأسيس وتدعيم البنك اليمني للإنشاء والتعمير والشركات التابعة له ورفع رأسماله.

حرص أبناء المنطقة على دفع أبنائهم للتعليم والابتعاث للخارج، وإسهامهم في جنوب الوطن والتفافهم حول التعليم، مستشهدًا بـ"كلية بلقيس" التي افتتحها الأستاذ أحمد محمد النعمان في عدن لتعليم أبناء اليمن وتأهيلهم.

يختتم الأستاذ عبدالرحمن بجاش مقالته بلفتة إنسانية نبيلة حول طبيعة أبناء الحجرية بالتأكيد على ميزة أساسية فيهم؛ وهي "العطاء دون مَنّ"، فبعد كل ما قدموه من دماء في جبهات القتال وأموال في عصب الاقتصاد، عاد مقاتلوهم وبسطاؤهم إلى قراهم وجبالهم بصمت ودون مطالبات بمناصب أو امتيازات.

ينوه الكاتب في النهاية بأن تسليط الضوء على هذه الأدوار لا يأتي أبدًا من باب الانتقاص من تضحيات بقية أبناء اليمن الجمهوري في كل المحافظات، بل هو صياغة بليغة تنبض بنبرته المعهودة التي تجمع بين إنصاف الرموز المنسية وتوثيق التاريخ من منظور اجتماعي وإنساني بعيد عن الحسابات السياسية الضيقة.

كتب الأستاذ عبدالرحمن بجاش مقاله المعنون بـ"هذه المرة لمريم وأمها!" في مايو 2017، عقب رحيل أرملة القائد الناصري الشهيد عيسى محمد سيف، قائد حركة 15 أكتوبر 1978، ليكون مرثية تذكير برحيل امرأة عانت مرارة الفقد والتشهير وإعلاء لقيم الكرامة لعوائل الشهداء الذين ماتوا فقراء.

يستهل بجاش مقاله بتقديم فلسفة عميقة يرى فيها أن موت أرملة عيسى محمد سيف أعاد التذكير بالقيمة الأخلاقية الكبيرة للشهيد، موثقًا الكفاح الصامت لأم عظيمة حولت سنوات التيه والعذاب إلى عطاء فأثمرت "حمدان" قلمًا حرًا، و"مريم" التي تصنع بنزاهتها حياة تليق باسم والدها.

يكشف الكاتب عن حقيقة مؤلمة تشهد لنزاهة عيسى الذي مات ولم يترك سكنًا لزوجته وأولاده لا في القرية ولا في المدينة، ليجزم بأن أولاده الشرفاء يتنقلون اليوم من دبّاب إلى دبّاب بحثًا عن اللقمة المعجونة بالكرامة في مفارقة مع الفاسدين.

يوجه بجاش خطابًا نقديًا للتنظيم الناصري داعيًا إياه لتجديد الخطاب والأدوات ليتلاءم مع عصر الديجيتال بدلًا من الانكفاء على القرارات المعلبة، ومطالبًا ببروز مشروع جديد يصهر المشتركات بين الفكرين القومي واليساري للخروج برؤية عصرية للعدل الاجتماعي.

يطالب بجاش بتحويل المناهج التعليمية إلى حوامل تخلد الرموز الحقيقيين أمثال عيسى محمد سيف، وعلي السنباني، ومحمد إبراهيم، وسالم عبدالقادر السقاف الذي لايزال بيته في حي الصافية بصنعاء يحكي قصة الزعامات النقية.

يتساءل بحرقة عن توثيق تضحيات الكوكبة الممتدة من عبدالقادر سعيد، وعبده محمد المخلافي، وجار الله عمر، ويوسف الشحاري، ويحيى البشاري، وصولًا إلى أم مريم، مكررًا نداءه لإخراج الأسماء الذهب إلى النور.

يكمل بجاش رؤيته باستدعاء مقاله الآخر المعنون بـ"مرة أخرى.. أين عيسى؟!"، الصادر في 12 أكتوبر 2020، ليطلق صرخة وفاء تعيد فتح ملف شهداء الحركة الناصرية ومحاكمة عجز النخب عن تدوين تاريخ رموزها.

يعود بشريط الذاكرة إلى مقاعد الدراسة بمدرسة ناصر بتعز، مستعيدًا وجوهًا كزميل مقعده عبدالله حزام أحمد نعمان، والقاحلي عبدالله محمد سيف، وسلطان محمد شمسان، وعبدالواسع، وعبده أحمد صالح، وغازي، ومفيد.

يتساءل بسخرية عن سبب عدم محاولة أحد تنظيمه معقبًا بأن ابن الشيخ ليس له مكان، بينما لايزال صوت الشهيد عيسى محمد سيف وهو يناديه بـ"كيفك يا بن الشيخ" يرن في أذنه مع صورته ببدلته السوداء على مدخل جامعة صنعاء.

يستعرض قائمة الرموز الذين ابتلعهم غياهب الإعدام كرفيقه محمد إبراهيم، والمذحجي، والرازقي، وقاسم منصر الشيباني، ويتوقف بغصة عند زميله علي السنباني ومطالبته بكتاب "أساطير هندية" المعار، وتذكره للاعب محمد فلاح في ملعب الظرافي.

يوثق صوت القائد عيسى أثناء محاكمته وهو يصرخ بشجاعة "أنا المسؤول وحدي"، موجهًا هجومًا حادًا لصديقه الكاتب حسن العديني ليخط سيرة عيسى والشهداء، ومثنيًا على محاولة الكاتب عبدالله عبدالقادر تدوين بعض السير.

يختتم الأستاذ بجاش مقالته بتحية لروح الشهيد وأرملته الصابرة وموجهًا أمل في كفاح مريم، ومعلنًا قراءة الفاتحة على العجز الجماعي في توثيق تاريخ الحركة الوطنية ورموزها التي يتهددها الفناء والنسيان.

إن محاكمة عجز النخب الحزبية وحراسة الذاكرة الوطنية عبر نصوص ومقالات عبدالرحمن بجاش، تشكل معًا خريطة طريق متكاملة لإعادة الاعتبار لتاريخ اليمن الحديث والرموز الخالدين الذين ضحوا بأرواحهم وأموالهم من أجل تثبيت دعائم النظام الجمهوري، الأمر الذي يضع على عاتق الأجيال الجديدة والباحثين مسؤولية وطنية كبرى في حفظ هذه الذاكرة الحية وعدم السماح بطمسها أو نسيانها تحت أي ظرف من الظروف السياسية أو الحزبية العابرة.

7. الأبوة الروحية والتلمذة العابرة للاختلافات الأيديولوجية
من الأحرى بنا هنا التطرق إلى الروافد الأولى التي تشكل منها المعمار الثقافي، والفضاء المعرفي للأستاذ عبدالرحمن.

إن رجلًا بهذا الثبات الوطني، والتمسك بقيم النزاهة، ونظافة المعدة، والكف والروح والذهنية، والتماهي اللاحصري مع الأشياء في كافة تفاصيل الحياة على كافة المستويات من قريته بالكدرة إلى عزلته بقدس مرورًا بمديرية المواسط فالحجرية فمحافظة، ومدينة تعز بكافة حواريها وحافاتها، وأزقتها، وصولًا إلى صنعاء التي حوت كل فن، وكل مدن اليمن، والوفاء لكل الناس الذين عرفهم من سنوات صباه من قاسم الرز في قاع المجتمع إلى الأستاذ النعمان والرعيل الأول من رموز حركة الأحرار، ورجال، وأبطال وشهداء الحركة الوطنية، وصولًا إلى جمال عبدالناصر في ذروة الزعامة العربية، وغاندي ومانديلا كزعامة إنسانية.

إن رجلًا اعتجن بكل تلك الأشياء من جماليات قيم الناس والمثل العليا، وعبقريات الأمكنة في الريف والمدينة لا شك أن هناك كثيرًا من الروافد الكثيرة بعضها ذاتية وبعضها موضوعية أسهمت إلى حد كبير في تحديد مساراته الحياتية والمهنية، وتوجيه قناعاته المدنية، والثقافية، وترجمة كل ذلك في إبد

حول الموقع

سام برس