سام برس
وأنا أقرأ مقال الأستاذ مطهر تقي عمّا يُخطَّط له من عبثٍ وخرابٍ في محيط الجامع الكبير، عادت بي الذاكرة إلى أكثر من ثمانيةٍ وعشرين عامًا، حين كنت مديرًا عامًا للصيانة والترميم بوزارة الأوقاف. يومها حضرت اجتماعًا رسميًا مع وكيل وزارة الأوقاف، ضم عددًا من المسؤولين والتجار في صنعاء القديمة، لمناقشة مشروعٍ لتوسعة الجامع الكبير من جهاته الأربع، على نفقة التاجر "عبد الله فاهم"، وهو ما كان سيؤدي إلى إزالة عددٍ كبيرٍ من المباني والمحلات الوقفية المحيطة به.

عندها اتخذنا نحن ممثلين الأوقاف موقفًا حاسمًا برفض المشروع، لأن الجامع الكبير ليس مجرد مسجد، بل معلمٌ إسلامي وتاريخي شُيِّد في صدر الإسلام بأمرٍ من رسول الله ﷺ، وأي عبثٍ به هو عبثٌ بتاريخ اليمن وهويته الحضارية.

وانسجمت رؤية ممثلي وزارة الأوقاف مع قناعة الدكتور عبد الكريم الإرياني رئيس الوزراء حينها، والدكتور عبد الكريم الأرحبي المدير التنفيذي للصندوق الإجتماعي، ورئيس هيئة المحافظة على المدن التاريخية، بضرورة المحافظة على الجامع الكبير وعدم إحداث أي تغيير فيه أو في محيطه. وهكذا انتصرت الحكمة، فتقرر العدول عن مشروع التوسعة للجامع الكبير، وبناء جامعٍ كبير خارج المدينة التاريخية على نفقة الدولة، وهو ما تم بنائه لاحقًا في حي السبعين، على أن يقوم الصندوق الاجتماعي للتنمية بترميم الجامع الكبير والجومع الأخرى مع المرافق وفق المعايير الدولية للصيانة والترميم.

أما اليوم، فالمفارقة المؤلمة أن الجهة التي يُفترض أن تكون الحارس الأول لهذا الإرث التاريخي، أصبحت كما أشار كاتب المقال، طرفًا في تهديد الجامع التاريخي ومحيطة، والعبث بتاريخ اليمن وهويته الحضارية التي لا تُعوَّض.

أيها اليمنيون، إن صنعاء القديمة ليست مجرد مباني أثرية، بل هي ذاكرة اليمن الحية، وعنوان حضارته، وإرثه الإنساني الممتد عبر آلاف السنين. فهي واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وأكثرها حفاظًا على أصالتها، وهو ما أهلها لتكون ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.

كما يمثل الجامع الكبير بصنعاء، بما يحمله من مكانة دينية وتاريخية، أحد أبرز شواهد الحضارة الإسلامية الحية في اليمن. وقد خضع عبر العقدين الماضيين لأعمال صيانة وترميم وفق أسس علمية دقيقة، شمل الترميم والصيانة أيضًا المقاشم والبساتين وعدد من المباني التاريخية؛ تأكيدًا على أن قيمة المدينة تكمن في تكامل نسيجها العمراني والتاريخي، لا في تغيير ملامحها أو العبث بعناصرها الأصيلة.

ومن هنا، فإن أي حديث عن إزالة أو إستحداث داخل مدينة صنعاء القديمة أو في محيط الجامع الكبير يثير قلقًا بالغًا لدى كل من يدرك القيمة التاريخية والحضارية لهذا الإرث العالمي. فصنعاء القديمة ليست مجالًا للتوسع العمراني أو لتحقيق مصالح آنية، وإنما مدينة تاريخية استثنائية يجب أن تبقى بمنأى عن أي تدخل يغيّر هويتها. والمبدأ الذي ينبغي أن يحكم التعامل معها واضح ولا يحتمل الاجتهاد : لا هدم ، ولا تشويه، ولا تغيير، ولا استحداث يضر بنسيجها التاريخي، مهما كانت المبررات، بل يجب المحافظة عليها وصيانتها وترميمها، لأن قيمتها العالمية لا تقوم على مبانيها منفردة، بل على تكاملها العمراني والمحافظة على الطابع الأصيل الذي صمد قرونًا طويلة.

وإذا كانت هناك حاجة إلى إنشاء كليات دراسية أو أسواق تجارية جديدة أو ساحات عامة، فإن مكانها الطبيعي هو خارج أسوار المدينة التاريخية، حفاظًا على هويتها ونسيجها العمراني الفريد. فالتفريط في التراث لا يعني فقدان مباني قديمة فحسب، بل يعني إهدار ذاكرة أمة وإرث حضاري لا يمكن تعويضه. ومن هنا فإن حماية صنعاء القديمة مسؤولية وطنية مشتركة، تتطلب تعاون الدولة والجهات المختصة والهيئات الثقافية، والعلماء والمثقفين والإعلام، باعتبارها أيضًا التزامًا دوليًا تفرضه مكانة المدينة ضمن قائمة التراث العالمي.

إن الحفاظ على صنعاء القديمة ليس قضية خلافية أو أمرًا هامشيًا، بل هو دفاع عن هوية اليمن وذاكرته الحضارية. وستبقى هذه المدينة العريقة شاهدًا خالدًا على إبداع الإنسان اليمني وعظمة حضارته عبر العصور، وأمانة في أعناقنا أن نصونها كما وصلت إلينا، لتظل إرثًا حيًا للأجيال القادمة وللإنسانية جمعاء.

والله من وراء القصد.

حول الموقع

سام برس