سام برس
ملحمة: صمود شعب
(عمل مسرحي توثيقي - الميدان والرصيف)
الحلقة (6): حرب الأرصفة الخاوية وحراس الثغور
تأليف من الواقع: العميد القاضي الدكتور حسن حسين الرصابي
المعالجة والإخراج المسرحي: رؤية سينوغرافية وتوثيقية مدمجة
الرؤية الإخراجية والسينوغرافيا (الإرشادات):
. توزيع الخشبة (المستويات البصرية):
. المستوى الخلفي (الأعلى): شاشة عرض عملاقة (LED) سوداء، تُعرض عليها مشاهد ظلال (سيلويت) للدخان المتصاعد، وروافع الموانئ (الكرينات) المعطلة، وصور حشود المتطوعين من أبناء القبائل بأسلحتهم، وتتحرك عليها أرقام إحصائية تنبض باللونين الأحمر والكروم.
. المستوى الأمامي (الأسفل):
. الجانب الأيمن: مجلس يمني فلكلوري يمثل الأصالة والحكمة الشعبية.
. المنتصف: طاولة توثيق استراتيجية تضم خرائط بحرية وطبوغرافية حية للساحل الغربي وموانئ (الحديدة، الصليف، ورأس عيسى "كثيب"). تُبرز الخريطة حزام الصد الدفاعي الممتد من الجنوب والشرق (من نقطة كيلو 16 والدريهمي جنوباً، مروراً بمنصة الاستعراض، المطار، جولة يمن موبايل، سوق الحلقة، وشارع 22 مايو شرق المدينة، وصولاً إلى شارع الميناء شمالاً)، بينما تُظهر الخريطة خط الدفاع البحري الغربي المتمثل بتمركز الزوارق السريعة + فصلة هندسة زرع الالغام، الغواصات المسيرة، وسفن البحرية والدفاع الساحلي المعززة بمدفعية الميدان والصوارخ التكتيكية، مع النقاط الحصينة عند الكلية البحرية، مدينة الحمدي، سوق الأسماك المركزي، وفندق الخزان، مروراً بقيادة المنطقة وحتى المنصة.
. الجانب الأيسر: رصيف ميناء متهدم يُمثّل مسرح الأثر الاقتصادي والإنساني.
.الإضاءة:
. بقعة ضوء (Spotlight) دافئة تُسلّط على الدكتور حسن أثناء التحليل الاستراتيجي.
. بقعة ضوء زرقاء باردة تُحيط بسالم عند استدعاء ذاكرة الميناء والأرصفة.
. إضاءة حمراء خافقة (Strobe) تُفعَّل عند الحديث عن خناق وحصار (كيلو 16) والدريهمي.
. تداخل إضاءة ذهبية دافئة تُغطي المسرح عند تناول دور المتطوعين والقبائل.
.المؤثرات الصوتية والموسيقى:
. صفير أجهزة الموانئ الساكنة متداخلاً مع صدى أمواج البحر الهادئة.
. أسطوانات رافعات بحرية معطلة تُصدر صفيراً معدنياً.
. أهازيج شعبية وزوامل قبائل تهامة تتصاعد تدريجياً.
. أصوات دوي قصف بعيد يليه صمت مهيب لأرصفة خاوية.
الشخصيات:
.الدكتور حسن: (مفكر واستراتيجي وقاضٍ - صاحب نظرة تحليلية، يرتدي زيّاً هادئاً وله هيبة وثيقة، يمسك بملف التوثيق).
.أبو صالح: (رجل مسن، يمثل حكمة الأرض وذاكرة الصمود الشعبية، يرتدي الثوب والجنبية والعمامة).
. عمار: (شاب مقاوم ذو وعي ميداني متقد، يمثل حركية الجبهة والجيل الواعي).
. سالم: (عامل مرفئي من أبناء الحديدة، يرتدي بدلة العمل الميدانية المتربة، يمثل وجع الميدان الاقتصادي والصلابة المرفئية).
[بداية المشهد المسرحي]
(تُفتح الستارة على صوت أمواج البحر تتكسر ببطء على رصيف خاوٍ، يليها صوت صفارة سفينة بعيدة تخبو تدريجياً. الإضاءة تركز على منتصف المسرح حيث يقف الدكتور حسن وبيده خريطة ومجسم رافعة بحرية صغيرة).
الدكتور حسن: (يخطو نحو مقدمة المسرح، ويُوجّه حديثه للجمهور بصلابة وتأنٍ)
لم تكن الاستهدافات المتكررة لموانئ البحر الأحمر في اليمن مجرد عمليات عسكرية جانبية أملتها ظروف الصراع.. بل مثّلت استراتيجية ممنهجة لتقويض الشريان الحيوي الأهم الذي يغذي الكتلة السكانية الأكبر في البلاد. وعلى مدار أحد عشر عاماً (2015–2026)، تحولت أرصفة موانئ الحديدة والصليف من بيئة تشغيلية تجارية إلى ساحة مفتوحة لاستنزاف الاقتصاد الوطني وشلّ أدوات صمود المجتمع بفعل الحصار والاستهداف!
(ينتقل الضوء إلى الجانب الأيمن للمسرح، حيث يجلس أبو صالح متكئاً على عصاه، وعمار يتفحص خريطة الميدان).
أبو صالح: (يهز رأسه بحسرة وثبات، ملوحاً بيده)
يا دكتور حسن.. كنا نقرأ الميدان غزو معارك وسلاح، وهجوم ودفاع وتصادم، فإذا بنا أمام حرب طالت اللقمة، والدواء، وقوت الطفل والمشتقات النفطية! بل طالت حتى الصيادين في عرض المياه الإقليمية؛ استهدافاً وخطفاً وقتلاً.. كيف تحول الميدان العسكري إلى هذا الخناق الممتد على الشاطئ؟
عمار: (يتقدم نحو طاولة الخرائط، ويمرر يده بثبات على الامتداد الجنوبي والشرقي للمدينة)
لأنهم عجزوا عن اختراق الأسوار يا أبا صالح! بدأت المخططات الاستراتيجية للأعداء بإنزال ثقلهم العسكري الكامل لاحتلال مدينة الحديدة وموانئها عبر تحشيد القوات النظامية والمرتزقة بغطاء جوي وبحري مطلق. تركزت خطتهم على تقطيع أوصال المدينة عبر القوس الدفاعي الجنوبي والشرقي؛ بدءاً من الدريهمي ونقطة (كيلو 16)، مروراً بمحيط المطار ومنصة الاستعراض وجولة يمن موبايل، وسوق الحلقة وشارع 22 مايو، وصولاً إلى شارع الميناء شمالاً.. لقد أرادوا إغلاق هذا الحزام لإسقاط المدينة والميناء تلقائياً.. ولكن!
(تتحول الإضاءة الخلفية إلى اللون الأحمر الداكن مع إيقاع طبل حربي خفيف).
عمار: (مكملاً بنبرة حماسية)
استبطنت القوات المدافعة ملحمة صمود استثنائية! صدت عشرات الزحوف المتتالية بروح قتالية ومعنويات عالية على طول هذا الحزام الحصين، وكان في مقدمتهم قائد السرية المدافعة عن هذا المفصل الحيوي الشهيد المجاهد محمد علي حسين الأعكب، الذي اختط بدمائه ورفاقه خط دفاع استراتيجي جعل الحديدة وموانئها أبعد على الأعداء من عين الشمس!
الدكتور حسن: (يعود إلى مركز الخشبة، مستكملاً السرد الاستراتيجي)
بالضبط يا عمار.. ولم تكن القوات المسلحة في تلك اللحظات الحاسمة تقف وحدها؛ بل تجسد التلاحم الشعبي في أبهى صوره عبر المتطوعين من أبناء القبائل، الذين كانوا وسيظلون الرديف والسند الميداني للقوات المسلحة في مواجهة العدوان الأمريكي والإسرائيلي، وفي حرب ما يسمى بالتحالف!
(تظهر على الشاشة الخلفية مشاهد لظلال رجال القبائل يحتشدون وينتشرون على سواحل تهامة، هبوا من كل حدب وصوب من مختلف مناطق اليمن لرفد جبهات القتال).
أبو صالح: (يطرق بعصاه الأرض بفخر ووفاء)
إي والله يا دكتور.. وفي مقدمة من هبّ، أبناء تهامة ورجالها الشرفاء! حضر الشيخ الوطني الرصين علي صغير شعيل الحشيبري، ومعه نخبة من المشايخ والعقال بحشود غفيرة من المتطوعين من مديريات الزيدية، والضحي، وباجل. انتشار هؤلاء الرجال وتوزيعهم على قطاعات الميناء، ولسان رأس عيسى (كثيب)، وشمال المدينة، شكّل حزاماً أمنياً وعسكرياً لا يُخترق!
عمار: (يضيف بنبرة افتخار ومتابعة)
صحيح يا أبا صالح، ولم يقتصر دورهم على التصدّي للعدوان والمشاركة في المعارك كاحتياط استراتيجي، بل تولّوا حراسة المصالح الاقتصادية والوطنية، وتأمين الطرق المؤدية إليها، وحفظ الأمن والاستقرار داخل المدينة. وهو امتداد تاريخي أصيل؛ فالشيخ علي صغير شعيل ومعه قبائله سطروا سابقاً مواقف مشهودة في حرب توطيد الأمن والاستقرار بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م وحتى تحقق الأمن والوحدة الوطنية في 22 مايو 1990م!
الدكتور حسن: (يهز رأسه باستحسان ومتابعة)
هذا الحضور القبلي الشعبي الرديف هو الذي حطم الرهانات الميدانية للأعداء. وعندما فشلت خطط الاجتياح البري واستعصى الحسم العسكري الميداني أمام استبسال المدافعين والمتطوعين، انتقل الأعداء فوراً إلى الفصل الثاني من مخططهم: "الخناق البطيء".. الاستهداف الانتقامي للبنية التحتية للموانئ لتجريد النصر الميداني من مقوماته الاقتصادية؛ لأن الخصم غادرٌ لا يفي بعهد، فحتى بعد اتفاق أستوكهولم في السويد، لم يحترمه العدو، وخاصة بعد موقف اليمن المشرف في نصرة أبناء غزة وإطباق الحصار البحري على الكيان الصهيوني. لقد استمرت قوى العدوان ورعاتها الأمريكان والصهاينة في استهداف هذا الشريان بلا محرمات!
(يدخل سالم من العتمة في الجانب الأيسر، يسير ببطء ونظره متجه نحو الشاشة الكبيرة التي تعرض صور كرينات معطلة).
سالم: (بصوت متبوع بمرارة وشرف العمل)
أكثر من 20 عملية قصف مكثف عبر مئات الغارات الجوية يا دكتور.. طال التدمير المباشر الرافعات الجسرية (الكرينات)، واللنشات البحرية، ومستودعات التخزين والأرصفة في الحديدة والصليف. تراجعت قدرتنا التشغيلية بنسبة 70%، وتحولت عمليات المناولة من الأجهزة الحديثة إلى إجراءات تقليدية بطيئة بأيدينا وأقدامنا الحافية!
أبو صالح: (يقف مستنداً على عصاه موثقاً)
والرجال.. والعمال الذين كانوا شريان الميناء؟
سالم: (ينظر إلى يديه ثم يرفع رأسه للجمهور)
دفعنا الفاتورة من أجسادنا! أسفرت تلك الضربات عن استشهاد قرابة 100 عامل وإصابة العشرات، ومنا من نزفوا فوق الأرصفة وهم يحملون أكياس القمح ومعدات الإغاثة. لم يهرب كادر، ولم تتوقف الحركة رغم الركام!
الدكتور حسن: (يتقدم نحو سالم، ويضع يده على كتفه بتقدير)
ولم يقتصر التدمير على الجانب المادي يا سالم.. بل توازى مع أدوات حصار إداري ولوجستي حادّ عبر هندسة خناق تجاري كامل:
. آلية التضييق والاحتجاز: استغلال القيود البحرية عبر آلية "اليونفيم" واحتجاز السفن لأشهر في الموانئ المتاخمة، لفرض غرامات تأخير باهظة (Demurrage) تُحسب بالدولار وتُرحّل تلقائياً على كاهل المستهلك النهائي.
. حظر المدخلات الإنتاجية: منع دخول أكثر من 490 صنفاً حيوياً من الأدوية، والمستلزمات الطبية، والأسمدة، ومواد البناء، واقتصار حركة التوريد على السلع الأساسية والمشتقات النفطية بصعوبة، لتعطيل قطاعات الصناعة والزراعة والمقاولات بالكامل!
(تضيء الشاشة الخلفية بالكامل باللون الأبيض الناصع لتظهر لوحة الإحصائيات رقمياً بشكل مكبر ومسرحي).
الدكتور حسن: (يوجه عصا التأشير نحو اللوحة الإحصائية)
يتجلى عمق الأزمة عند مقاطعة أرقام الملاحة التجارية بين مرحلتي ما قبل العدوان والواقع الراهن:
| المؤشر المسرحي / الملاحي | سنة المقارنة (2014) | الواقع الحالي (النصف الأول 2026) | نسبة التغير / الأثر الاستراتيجي |
| عدد السفن المستقبلة | 718 سفينة | 83 سفينة فقط | انخفاض حاد بنسبة 88.4% |
| حجم العمالة اليومية | تشغيل كامل واستيعاب واسع | فقدان أكثر من 6000 عامل لمصدر رزقهم | اتساع رقعة الفقر والبطالة الهيكلية |
أبو صالح: (يتأمل الجدول على الشاشة بوعي حاد)
يعني تراجعت طاقة الاستقبال إلى أقل من 12% مقارنة بالمستويات الطبيعية! هذه ليست مجرد أضرار حرب يا دكتور.. هذا عجز هيكلي فرضته أدوات الحصار الظالم!
عمار: (يضيف بنبرة استراتيجية)
ونتج عنه ارتفاع تكاليف التأمين البحري بثلاثة أضعاف لتصنيف المنطقة عالية المخاطر، وضرب القدرة الشرائية بتآكل قيمة العملة ونقص المعروض السلعي، وانقطاع سلاسل الإمداد الداخلية التي تربط الميناء بجميع المحافظات!
الدكتور حسن: (يتوسط الخشبة مجدداً، وتتجمع الشخصيات الثلاث حوله تحت بقعة ضوء متحدة)
إن هذا الخناق المركّب يُظهر أن فشل الأعداء العسكري أمام استبسال المدافعين في حزام الصد الجنوبي والشرقي (من الدريهمي وكيلو 16 حتى الميناء) والتمركز البحري غرباً، وتلاحم المتطوعين والقبائل، قد دفعهم للجوء إلى "حرب الأرصفة الخاوية"، لشلّ البنية الاقتصادية الكلية وفرض حالة من الإنهاك الممنهج على المجتمع بأكمله.. وهي مسرحية تتكامل فيها أدوات العدوان الميداني والاقتصادي لخنق إرادة الصمود اليمنية.
سالم: (يرفع رأسه شامخاً)
لكن الأرصفة وإن خلت من السفن.. لن تخلو من إرادة الرجال!
أبو صالح: (يرفع عصاه بأمل وصمود)
وما خنقوا جميلاً إلا ليولد من رحم الحصار فرج وتحدٍّ أعظم!
عمار: (يقبض على يده)
الميدان والاقتصاد جبهتان لن نُكسر فيهما، وبوجود الجيش ومتطوعي القبائل سنظل السد المنيع!
الدكتور حسن: (ينظر مباشرة إلى الجمهور في الصالة بكلمات ختامية واثقة)
ستظل تجربة صمود هذا الشعب أسطورة تتجاوز أدبيات الحصار وأجندات الخناق، وسيبقى وعي المجتمع وتلاحم أبنائه سياج الوطنية الصلب أمام كل رهانات التركيع!
(تصعد موسيقى ملحمية تصاعدية، وتتداخل إضاءة خفيفة تجمع بين اللون الأحمر والأبيض والذهبي على كافة الشخصيات التي تقف في لوحة استعراضية متماسكة، ثم تُسدل الستارة ببطء).
[انتهاء الحلقة السادسة، وتليها الحلقة السابعة بإذن الله تعالى].


























