سام برس
عِزَّةُ اليَمَنِ بَيْنَ صُمُودِ الحَاضِرِ وَأَصَالَةِ التَّارِيخِ
شعر: القاضي الدكتور/ حسن حسين الرصابي
المُقَدِّمَةُ:
شَهِدَتِ المَرَاحِلُ التَّارِيخِيَّةُ المَفْصَلِيَّةُ كُلُّهَا أَنَّ الشَّعْبَ اليَمَنِيَّ يَمْتَلِكُ جِينَاتٍ حَضَارِيَّةً وَإِيمَانِيَّةً صَلْبَةً، تَرْفُضُ الخُضُوعَ وَتَسْتَعْذِبُ التَّحَدِّي. فَمَهْمَا حَالَقَتِ الخُطُوبُ أَوْ تَكَالَبَتِ الأَزَمَاتُ، يَبْقَى اليَمَنُ كَعَهْدِهِ مَهْدَ العِزَّةِ، وَمَنَارَةَ الكَرَامَةِ الَّتِي لا تُطْفَأُ.
وَإِيمَاناً بِهَذَا المَسَارِ العَرِيقِ الَّذِي يَسْتَمِدُّ جُذُورَهُ مِنْ أَعْمَاقِ حَضَارَتَيْ سَبَأَ وَحِمْيَرَ، وَيَمْتَدُّ مَجْدُهُ مَعَ فُتُوحَاتِ الأَنْصَارِ وَالفُرْسَانِ الَّذِينَ نَشَرُوا نُورَ الإِسْلاَمِ فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ، وَيَصُوغُ صُمُودَهُ الحَاضِرَ بِدِمَاءِ أَبْنَائِهِ الشُّرَفَاءِ، تَأْتِي هَذِهِ الأَبْيَاتُ لِلشَّاعِرِ الأَدِيبِ الدَّكْتُورِ حسن حسين الرصابي لِتُجَسِّدَ مَلْحَمَةَ الإِبَاءِ اليَمَانِيِّ الَّذِي لا يُهْضَمُ، وَتُرْمِزُ لِلصِّرَاعِ الأَزَلِيِّ بَيْنَ إِرَادَةِ الحُرِّيَّةِ وَمُحَاوَلاَتِ الإِخْضَاعِ.

نَصُّ القَصِيدَةِ (19 بيتاً):
- وَقَالُوا ارْكَعُوا، فَارْتَفَعْنَا شُمُوخاً ... نَطَالُ الثُّرَيَّا وَنَحْمِي الحِمَى
- وَظَنُّوا المَنِيَّةَ فِي جُوعِنَا ... فَصُغْنَا الحَيَاةَ، وَعِزّاً نَمَا
- وَمَا نَامَ حُرٌّ عَلَى ذِلَّةٍ ... وَلا انْصَاعَ يَوْماً لِمَنْ غَشَمَا
- فَهَذَا اليَمَنُ العَزِيزُ العَرِيقُ ... أَبَى أَنْ يَهُونَ وَأَنْ يُهْضَمَا
- سَتَبْقَى الكَرَامَةُ فِينَا دَماً ... وَيَبْقَى اليَمَنُ الشَّامِخُ الأَعْظَمَا
- سَلُوا "سَبَأً" عَنْ قَدِيمِ العُلَا ... وَكَيْفَ بَنَيْنَا السُّدُودَ العِظَامَا
- وَ"مَأْرِبُ" تَشْهَدُ أنَّا الأُلَى ... رَفَعْنَا اللِّوَاءَ وَطُلْنَا السَّمَا
- سَطَرْنَا الحَضَارَةَ مِنْ "حِمْيَرٍ" ... فَمَا كَانَ مَجْدٌ لَنَا مُبْهَمَا
- مُلُوكُ "التَّبَابِعَةِ" الأَوَّلُونَ ... أَقَامُوا الصُّرُوحَ وَشَادُوا الحِمَى
- وَنَحْنُ الأَنْصَارُ وَأَهْلُ الـهُدَى ... حَمَلْنَا الكِتَابَ وَنُورَ السَّمَا
- نَشَرْنَا الـعَدَالَةَ فِي الأَرْضِ كَيْ ... تَزُولَ الـمَظَالِمُ مَهْمَا انْتَمَى
- فُتُوحَاتُ أَجْدَادِنَا شَاهِدٌ ... بِكُلِّ فِجَاجٍ رَفَعْنَا العَلَمَا
- وَرِثْنَا الإِبَاءَ كَابِراً كَابِراً ... فَمَا هَانَ شَعْبٌ، وَلا أَظْلَمَا
- خَضَضْنَا المَنَايَا بِقَلْبٍ جَرِيٍّ ... إِذَا الخَطْبُ أَبْدَى لَنَا الأَنْجُمَا
- جِبَالٌ تَنُوفُ بِهَامَاتِهَا ... وَتَأْبَى لِغَيْرِ العُلا أَنْ تُظَامَا
- فَلَمْ نَنحَنِ يَوْماً لِعَاصِفَةٍ ... وَلا شَيْءَ يُثْنِي الذُّرَى وَالهِمَمَا
- يَمَانُونَ؛ جَفْنُ المَعَالِي بِنَا ... قَرِيرٌ، وَنَسْقِي الرَّوَابِي الدَّمَا
- نَذُودُ عَنِ الأَرْضِ فِي كُلِّ آنٍ ... فَمَا كَانَ سَيْفُ الإِبَاءِ انْهَزَمَا
- وَيَشْهَدُ كُلُّ العُصُورِ لَنَا ... بِأَنَّا الَّذِينَ نُذُودُ الحِمَى
قِرَاءَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ، بَلاغِيَّةٌ وَنَقْدِيَّةٌ مُتَوَسِّعَةٌ:

تَعْكِسُ القَصِيدَةُ نَمَطاً شِعْرِيّاً حَمَاسِيّاً وَطَنِيّاً وَإِسْلاَمِيّاً رَفِيعاً، يَمْزُجُ فِيهِ الشَّاعِرُ الأَدِيبُ الدَّكْتُور حسن حسين الرصابي بَيْنَ الشُّمُوخِ العَاطِفِيِّ وَالعُمْقِ التَّارِيخِيِّ. وَقَدْ صَاغَ نَصَّهُ عَلَى إِيقَاعِ بَحْرِ المَتَقَارِبِ (فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعُولُنْ فَعُولْ) الَّذِي يَتَمَيَّزُ بِتَدَفُّقِهِ المُمُوسَقِ وَنَبْرَاتِهِ الـحَرْبِيَّةِ الصَّارِمَةِ الَّتِي تُلائِمُ المَلاحِمَ وَالفَخْرَ القَوْمِيَّ وَالإِسْلَامِيَّ.
1. الجَمَالِيَّاتُ البَيَانِيَّةُ وَالتَّصْوِيرُ الشِّعْرِيُّ:

- صِنَاعَةُ الحَيَاةِ مِنَ المِحْنَةِ: تَجَلَّتِ الاستِعَارَةُ المَكْنِيَّةُ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ حسن الرصابي (فَصُغْنَا الحَيَاةَ)؛ حَيْثُ شَبَّهَ الحَيَاةَ بِمَادَةٍ خَامٍ يَسْبُكُهَا الشَّعْبُ اليَمَنِيُّ الصَّامِدُ بِيَدِهِ لِيُحَوِّلَ الجُوعَ وَالحِصَارَ إِلَى مَصْدَرِ عِزٍّ وَأَنَفَةٍ.

- الرَّبْطُ بَيْنَ الـحَضَارَةِ وَالرِّسَالَةِ: اسْتَطَاعَ الدَّكْتُور حسن الرصابي أَنْ يَسْتَحْضِرَ بُعْداً إِيمَانِيّاً وَتَارِيخِيّاً فَارِقاً؛ فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الفَخْرِ بِبِنَاءِ السُّدُودِ وَحَضَارَةِ سَبَأَ وَحِمْيَرَ، بَلْ عَرَجَ بِبَلاغَةٍ إِلَى دَوْرِ اليمانيين "الأَنْصَارِ" فِي حَمْلِ نُورِ الكِتَابِ وَالفُتُوحَاتِ الإِسْلاَمِيَّةِ الَّتِي مَلأَتِ الفِجَاجَ عَدْلاً وَحُكْماً.

- تَشْخِيصُ المَعَالِي وَالتَّصَدِّي لِلْمَنَايَا: بَرَزَتْ صُوَرُ الشَّاعِرِ الحَيَّةُ إِذْ يَخُوضُ المَنَايَا بِقَلْبٍ جَرِيءٍ عِنْدَ اشْتِدَادِ الخُطُوبِ، يُقَابِلُهُ تَشْخِيصٌ بَدِيعٌ فِي (جَفْنُ المَعَالِي بِنَا قَرِيرٌ)، حَيْثُ حَوَّلَ المَعَالِيَ إِلَى كَائِنٍ يَشْعُرُ بِالأَمَانِ فِي حِمَى الفَارِسِ اليَمَانِيِّ.
2. البَنَاءُ البَدِيعِيُّ وَالأُسْلُوبِيُّ:

- المُقَابَلَةُ التَّضَادِيَّةُ: اعتَمَدَ د. حسن الرصابي عَلَى ثُنَائِيَّةِ (الوَهْمِ الـخَارِجِيِّ / الحَقِيقَةِ اليَمَنِيَّةِ) فِي إِحْدَاثِ صَدَمَاتٍ بَلاغِيَّةٍ مُقْنِعَةٍ: (ارْكَعُوا / فَارْتَفَعْنَا)، وَ(مَنِيَّةَ فِي جُوعِنَا / فَصُغْنَا الحَيَاةَ).
- المُزَاوَجَةُ بَيْنَ الإِخْبَارِ وَالإِنْشَاءِ: يُنَوِّعُ الشَّاعِرُ أُسْلُوبَهُ بَيْنَ الإِخْبَارِ الَّذِي يُرَسِّخُ الحقائِقَ التَّارِيخِيَّةَ (سَطَرْنَا الحَضَارَةَ، فُتُوحَاتُ أَجْدَادِنَا)، وَبَيْنَ الإِنْشَاءِ الطَّلَبِيِّ الَّذِي يَحْمِلُ نَبْرَةَ التَّحَدِّي وَالفَخْرِ (سَلُوا سَبَأً) لِيَسْتَحْضِرَ الشَّوَاهِدَ الحَيَّةَ عَلَى عِرَاقَةِ الجُذُورِ.
3. النَّقْدُ العَرُوضِيُّ وَالمُوسِيقِيُّ:
تَمَيَّزَ النص بِإِيقَاعٍ حَمَاسِيٍّ مُنْتَظِمٍ بِمُوسِيقَى القَافِيَةِ المَفْتُوحَةِ (الأَلِفُ المَمْدُودَةُ) الَّتِي تُعْطِي المَدَى المَطْلُوبَ لِلزَّفِيرِ الحَمَاسِيِّ وَالشُّمُوخِ. وَقَدْ جَاءَتِ الصِّيَغُ المَعْجَمِيَّةُ مُتَوَافِقَةً مَعَ تَفَاعِيلِ بحر المتقارب التّام، مِمَّا أَضْفَى عَلَى القَصِيدَةِ جَرَساً إِيقَاعِيّاً صَارِماً يُمَكِّنُ الإِنْشَادَ بِنَبَرَةٍ حَرْبِيَّةٍ جَهْوَرِيَّةٍ.
الخَاتِمَةُ:
تَتَوَّجُ هَذِهِ المَلْحَمَةُ الشِّعْرِيَّةُ لِلشَّاعِرِ الأَدِيبِ الدَّكْتُور حسن حسين الرصابي بِرُؤْيَةٍ اسْتِشْرَاقِيَّةٍ مِلْؤُهَا اليَقِينُ؛ فَالْيَمَنُ لَيْسَ مُجَرَّدَ جُغْرَافِيَا، بَلْ هُوَ فِكْرَةٌ حَضَارِيَّةٌ وَعِمَادٌ لِلْكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ. لَقَدْ نَجَحَ الشَّاعِرُ فِي تَوْظِيفِ الإِرْثِ التَّارِيخِيِّ لِـ "سَبَأَ" وَ"حِمْيَرَ" وَ"التَّبَابِعَةِ" و"أَمْجَادِ الفُتُوحَاتِ"، لَيْسَ لِمُجَرَّدِ التَّغَنِّي بِالمَاضِي، بَلْ لِجَعْلِهِ كَالْمِرْآةِ الَّتِي تَنْعَكِسُ عَلَيْهَا صَلاَبَةُ الـحَاضِرِ.
تَنْتَهِي القَصِيدَةُ بِإِعْلانِ الاسْتِمْرَارِيَّةِ فِي صِيَانَةِ الـمَجْدِ وَإِنَارَةِ الفَجْرِ القَادِمِ، لِتَكُونَ وثِيقَةً أَدَبِيَّةً وَشَاهِداً خَالِداً عَلَى رُوحِ الصُّمُودِ اليَمَانِيِّ الَّذِي لا يَقْبَلُ الإِنْكِسَارَ.
٩ شهر سبتمبر ٢٠٢٦م
الجراحي محافظة الحديدة الساحل الغربي

حول الموقع

سام برس