بقلم/ أحلام المدان
كان الليل في اليمن طويلًا كأنه لا يعرف الصبح. ليلٌ لبسَ وجهَ القدر، وجلس على عرشٍ من صمتٍ مطبق، يوزّع الظلال على الوجوه ، ويكتب على جباه الناس: "أنتم عبيدٌ للزمان". وكانت الأيام تدور كرحىً لا تطحن إلا نفسها، والسنون تمضي كأنها ظلالٌ بلا أجساد.
ثم جاء 26 سبتمبر... فانشقّ الفجر عن صدر الليل كسيفٍ من نور. لم يكن طلوع شمسٍ عادي، بل كان ميلادًا لضميرٍ كان مدفونًا تحت ركام القرون. .انفجرت السماء بطلقاتٍ لم تكن رصاصًا، بل كانت حروفًا أولى في كتاب الحرية.
في ذلك الصباح، لم تكن صنعاء مدينة، بل كانت رئةً أخذت نفسها الأول بعد اختناقٍ دام قرونًا. . تهامة لم تعد سهلًا، بل صارت صدرًا يتنفس.. صعدة .. لم تعد جبالًا، بل صارت حنجرةً تصرخ: "أنا إنسان".
26 سبتمبر لم يكن ثورةً على حاكم، بل كان ثورةً على فكرةٍ قديمة كالرماد: فكرة أن الإنسان اليمني خُلِق ليُساق لا ليقود ، ليُطاع لا ليُسأل.. فحين سقط الإمام ، سقطت معه أسطورةٌ عمرها ألف عام، وسقطت معها خرافة أن الحق يُورَّث كما يُورَّث السيف.
اليمن يا صاحبي ليس خريطةً على ورق. اليمن قصيدةٌ كتبتها الجبال بمداد الصبر، ووقعها البحر بتوقيع الموج. هو الأرض التي إذا جاعت أطعمت العالم بنّها، وإذا عطشت حفرت السدود بيديها. هو الوطن الذي إذا نامت عيونه، ظلت روحه ساهرةً تحرس الحلم.
لكن الحرية يا صديقي ليست زهرةً تُقطف وتنسى ، بل هي شجرةٌ تُغرس في القلب ، وتُسقى بعرق العقول. فهل رويناها؟ أم تركناها تذبل بين أيدينا؟ 26 سبتمبر . يسألنا كل عام : هل صارت مدارسنا منابر للفكر أم مقابر للأحلام؟ هل صار المواطن فارسًا على حصان القرار، أم ظلّ يركض خلف عربة الآخرين؟
واليوم، ونحن في 2026، تمر الذكرى الـ64 والوطن ما زال يمشي على جسرٍ من نار. لكن التاريخ لا يموت. اليمن كالنخلة : كلما ضربتها العاصفة ازدادت رسوخًا. جذوره في عمق الأرض، وفروعه في عنان السماء.
فإذا أردت أن تفهم 26 سبتمبر ، لا تقرأه في الصحف. اقرأه في عيني شيخٍ هرمٍ يروي كيف كان يخبئ الكتاب تحت عباءته كأنه يخبئ طفلًا من الموت.. اقرأه في صوت امرأةٍ من ريمة تغني لابنها: "نم يا ولدي، فقد ولدت حرًا".. اقرأه في دمعة شابٍ من تعز يقول : "لن أترك وطني للريح".
26 سبتمبر ليس يومًا مضى. هو وعدٌ لم يُنجز بعد.. هو مرآةٌ ننظر فيها كل صباح لنرى: هل نحن أحياء أم مجرد ظلال لأحياء؟
فكل عام واليمن ينهض من رماده كعنقاء لا تعرف الانكسار. وكل عام وسبتمبر يهمس في آذاننا: الحرية ليست هديةً تُهدى... الحرية هي أن تولد كل يوم من جديد.


























