بقلم/ الدكتور / علي أحمد الديلمي
لن يخرج اليمن من حربه ما دام كل طرف يرى خلاص البلاد في هزيمة الآخرين ويعتبر التراجع عن بعض مطالبه خيانة لقضيته فالواقع الذي نعيشه يكشف أن سنوات الصراع لم تمنح اليمنيين أمنا ولا مؤسسات مستقرة بل عمقت الفقر ومزقت المجتمع وجعلت حياة الناس رهينة للسلاح والانقسام والمصالح الخارجية ولهذا أرى أن السلام أصبح مسؤولية عاجلة وأن أول شروطه الاعتراف بأن أي مشروع سياسي يفقد مبرره حين يتحول بقاؤه إلى سبب لاستمرار معاناة المواطنين
تبدأ الخطوة الجادة حين تراجع القوى المتصارعة سلوكها وتقدم ما يثبت استعدادها للتسوية فلا قيمة لدعوة إلى الحوار يصاحبها التحريض ولا معنى للحديث عن الشراكة مع استمرار الاعتقالات والإقصاء ويمكن بناء قدر من الثقة عبر إطلاق المحتجزين على خلفية سياسية والكشف عن مصير المخفيين وفتح الطرق وتسهيل انتقال الناس والسلع والاتفاق على ترتيبات شفافة لدفع رواتب الموظفين فهذه إجراءات تخفف معاناة حقيقية وتمنح المواطن دليلا على أن السلام يمكن أن يغير حياته
وأرفض أن تكون المصالحة غطاء لنسيان الضحايا أو إعادة توزيع النفوذ بين من يملكون القوة فالمجتمع يحتاج إلى عدالة تسمع المتضررين وتكشف الانتهاكات وتحدد المسؤوليات الفردية وتوفر التعويض وجبر الضرر دون انتقام أو عقاب جماعي ولا يجوز اختزال أي جماعة أو مذهب أو أبناء أي منطقة في جماعة سياسية أو عسكرية ولا تحميل الناس ذنب نسبهم أو مذهبهم أو محل ولادتهم فالانتماء لا يمنح صاحبه امتيازا في الحكم ولا يسلبه حقه في المواطنة ومن دون هذا المبدأ سيظل خطاب الكراهية ينتج أسبابا جديدة للحرب
أما التسوية السياسية فيجب أن تتجاوز اقتسام المناصب إلى الاتفاق على قواعد تمنع احتكار السلطة والمال والسلاح فنحن بحاجة إلى مرحلة انتقالية محددة المدة والمهام وإلى رقابة معلنة على الإيرادات والإنفاق وقضاء يستطيع حماية الحقوق ومؤسسات تخدم المواطنين بعيدا عن الولاء الحزبي أو المناطقي ويجب أن تشمل المفاوضات أصوات النساء والشباب والمجتمع المدني والمتضررين من الحرب وأن تعالج قضايا الجميع وسائر المناطق بجدية وعدالة كما أن أي اتفاق سيبقى هشا ما لم يتضمن مسارا واضحا لإخضاع السلاح لسلطة مؤسسات عامة خاضعة للقانون والمساءلة
وأرى أن حماية السلام تقتضي اتفاقات واضحة تحدد من ينفذ كل التزام ومتى ينفذه وكيف تجري مراقبته وما الإجراءات المتفق عليها عند الإخلال به مع ضمانات تمنع الانتقام وتحمي المشاركين في العملية السياسية ويجب أن يقوم الدعم الخارجي على احترام القرار اليمني وأن تكون التفاهمات المؤثرة في مستقبل البلاد معلنة وقابلة للنقاش والمساءلة فالسلام يصبح ممكنا حين تتحول الرغبة فيه إلى حقوق مصانة ورواتب تصل وطرق تفتح ومؤسسات تحاسب وحين يشعر اليمني أن مستقبله يصنعه القانون والعمل والمشاركة لا قربه من قائد أو امتلاكه للسلاح


























