بقلم/ يحيى محمد القحطاني
اليمن ليس ساحةً للصراعات الإقليمية، ولا شعبه وقودًا لحروب النفوذ، ولا سيادته ورقةً للمساومات. ومع ذلك، يدفع اليمنيون ثمن صراعٍ تتداخل فيه المصالح الخارجية مع حسابات الداخل، فتتآكل الدولة، ويُستنزف الاقتصاد، وتتفاقم المعاناة، بينما يظل السلام رهين تفاهمات لا تعبّر عن إرادة اليمنيين. فلا سلام يُفرض على اليمنيين من وراء حدودهم، ولا مستقبل يُرسم لليمن بعيدًا عن إرادتهم، ولا سيادة لوطنٍ لا يملك أبناؤه قرار الحرب والسلام.

تتبدل التحالفات وتتغير الحسابات، لكن التدخل في القرار اليمني ظل حاضرًا في محطات مفصلية من تاريخ البلاد. وتكشف الوقائع التي أوردها الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني في الجزء الثاني من مذكراته عن احتجاز قيادات يمنية وسجن آخرين في القاهرة عام 1967م، في ظل ضغوط سعودية وموافقة الرئيس جمال عبد الناصر، لحمل القيادة اليمنية على التخلّي عن الثورة والنظام الجمهوري. واليوم، لا يزال القرار الوطني رهين التجاذبات، ويدفع اليمنيون ثمن صراعات لا يملكون قرارها، فيما يُحرمون من حقهم في تقرير مصيرهم.

إن الأزمة اليمنية ليست حربًا مستمرة فحسب، بل إخفاق سياسي في إنهائها، وأزمة محاسبة وغياب للردع. فالقوى الخارجية تتحمل تبعات ما تؤججه تدخلاتها، كما تتحمل الأطراف اليمنية تبعات ارتهان قراراتها للخارج وتقديم مصالحها على حياة المواطنين. فلا شرعية تبرر استمرار الحرب والقتل والدمار والحصار على اليمن أرضًا وإنسانًا، ولا تحالف، أيًّا كان، يملك تفويضًا مفتوحًا للتصرف في مصير اليمنيين أو مصادرة حقهم في تقرير مستقبل وطنهم.

على القوى الإقليمية والدولية احترام سيادة اليمن، والكف عن التعامل معه باعتباره ساحةً لتصفية الحسابات وتوسيع النفوذ. وعلى القوى اليمنية التحرر من الارتهان للخارج، وتقديم المصلحة الوطنية على حسابات البقاء في السلطة. فالموقف الحقيقي الداعم لليمن لا يُقاس بالشعارات، بل بالإسهام في إنهاء الحرب، واحترام استقلال قراره، وتمكين أبنائه من تقرير مستقبلهم.
إن المطلوب واضح: وقف الحرب، واستعادة القرار الوطني، وإطلاق تسوية سياسية تعيد بناء مؤسسات الدولة، وتخضع السلطة للمساءلة، وتصون حقوق المواطنين. فاليمن لا يحتاج إلى مزيد من المتنافسين على حكمه، بل إلى إرادة سياسية تنقذه من الانهيار، وتعيد لشعبه حقه في الأمن والكرامة والحياة.

اليمن ليس غنيمةً تتقاسمها القوى، ولا شعبًا يدفع ثمن صراعاتها إلى ما لا نهاية. فإما أن تنتصر المصلحة الوطنية، ويستعيد اليمنيون حقهم في تقرير مصيرهم واختيار حكامهم عبر انتخابات حرة ونزيهة، وتداول سلمي للسلطة من خلال صندوق الاقتراع، لا بقوة السلاح ولا بفرض الأمر الواقع؛ وإما أن يستمر نزيف وطنٍ يتحدث الجميع باسمه، بينما يُحرم أبناؤه من امتلاك قرار إنهاء مأساتهم.

حول الموقع

سام برس