سام برس
ملحمة صمود شعب: الحقوق والحريات في ميزان الشرع ومنظور النص الوضعي
الحلقة الثالثة عشرة
تأليف: القاضي الدكتور حسن حسين محمد الرصابي
نائب رئيس لجنة توحيد الخطاب الديني في الجمهورية، ورئيس شعبة التوجيه والإرشاد، والمستشار السياسي للإعلام العربي
بطاقة المسرحية والشخصيات
- المكان: قاعة الحوار الدستوري والفقهي – المجمع القضائي، صنعاء. مكتبة زاخرة بالمجلدات الأصولية والفقهية والدستورية المقارنة.
- الزمان: صبيحة يوم حافل بالنقاشات الفكرية والقانونية.
- الديكور: طاولة خشبية عريقة تحيط بها مقاعد مريحة، عليها أمهات الكتب الفقهية (كالمبسوط، والبحر الزخار، والمغني) بجوار المجلدات الدستورية والقوانين النافذة (الدستور اليمني، القانون المدني، قانون الجرائم والعقوبات).
الشخصيات:

- القاضي الدكتور حسن: قاضٍ ومفكر يمني، يجمع بين الأصالة الفقهية والوعي القانوني والسياسي، يتميز بالهدوء والعمق الأكاديمي والقدرة على الربط الدقيق بين المقاصد الشرعية والنصوص القانونية.
- الشيخ مسعود: من علماء ومشايخ الشريعة وأعيان المجتمع. رجل مهاب، يحرص على أصالة المنهج والتأكد من عدم مساس النصوص الوضعية بالثوابت الشرعية.
- عمار: طالب حقوق وباحث في القانون المقارن. شاب شغوف يطرح إشكاليات الفلسفة الغربية المادية مقارنة بالفقه الإسلامي.
- هناء: طالبة دراسات عليا في القانون الدستوري والمدني. تتمتع بوعي تحليلي نقدي وتستهدف تبيان التطبيق العملي للنصوص التشريعية اليمنية.
المشهد الأول: الفلسفة المادية والمقاصد الشرعية
(يُفتح الستار على القاضي الدكتور حسن وهو يراجع بعض الوثائق القانونية، بينما يجلس الشيخ مسعود يقلب صفحات كتاب "قواعد الأحكام في مصالح الأنام" للعز بن عبد السلام، والكتاب السابع من سلسلة الحقوق والحريات في الإسلام للدكتور الرصابي، عمار وهناء يجلسان متقابلين وأمامهما دفاتر الملاحظات).
عمار (ينظر إلى أوراق أعدها سابقاً بفتور وتشوش):
يا سيادة القاضي، ونحن نتبحر في دراسة القانون المقارن، نجد أن المدرسة الغربية المادية – بدءاً من العقد الاجتماعي عند جون لوك وروسو وصولاً إلى الوضعية القانونية لدى هانس كلسن – تشيد الحقوق والحريات على فلسفة "الفردية المطلقة" و"المنفعة المادية". لكن حين نعود لنصوصنا الفقهية والقانونية، نجد صيغة مختلفة تماماً. هل يمكننا القول إن هناك صداماً لا يزول بين المنظومتين؟
القاضي الدكتور حسن (يبتسم ابتسامة واثقة ويضع القلم جانباً):
سؤالك يا عمار يضع المشرط على موضع الجرح في الفكر القانوني المعاصر. الفارق بين المنظومة الفقهية المقاصدية والفلسفة الغربية المادية ليس مجرد فارق في الصياغة، بل هو فارق في "الرؤية الكونية" (Worldview).
(يقوم القاضي ويمشي بخطوات هادئة نحو لوحة العرض):
الفلسفة الغربية المادية تنطلق من الإنسان ككائن نفعي أرضي محتكم لذاته، فصارت الحقوق لديه "مكتسبة" بمرسوم بشري أو عقد اجتماعي قابل للتعديل والتقلب بحسب أهواء الأغلبية. أما الفقه الإسلامي المقاصدي، فيرى الحقوق "منحاً إلهية" سابقة على وجود الدولة وتكليفها، مرتبطة بفطرة الإنسان وتكريمه الإلهي: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
الشيخ مسعود (يهز رأسه مؤيداً ويضيف بصوت رصين):
أحسنت يا دكتور. الحق في الشرع المطهر ليس حرية منفلتة تُبيح للإنسان أن يضر نفسه أو غيره باسم "الملكية الفردية" أو "الحرية الشخصية" كما تراها الفلسفة المادية. الشرع جاء بالحق مصحوباً بالتكليف والمسؤولية الأخلاقية.
هناء (تتدخل مستفسرة):
ولكن يا شيخنا الجليل ويا سيادة القاضي، كيف ينعكس هذا الفارق المقاصدي على التعريف الإجرائي للحقوق والواجبات؟ أليس القانون الوضعي في النهاية يسعى لتنظيم سلوك الأفراد؟
القاضي الدكتور حسن:
بلى يا هناء، لكن الفرق يكمن في "الغائية والضمانات":
- المرجعية: الفلسفة المادية تُخضع الحق لأهواء السلطة أو تقلبات السوق والنفعية، بينما التشريع الإسلامي يربطه بمقاصد الشريعة الخمس الكلية: (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والمال).
- الشمول والتوازن: الفلسفة المادية تركز على الحقوق الفردية على حساب الجماعة، أو تضحي بالفرد لصالح الشمولية. أما التشريع الفقهي المقاصدي فيحدث التوازن الدقيق بين حق الفرد ومصلحة الجماعة.
- الرادع: القانون المادي يعتمد كلياً على الرادع الخارجي (سلطة الدولة)، بينما التشريع المقنن على منهج الشريعة يدمج بين الرادع السلطاني والضمير الإيماني والتكليف الروحي.
المشهد الثاني: التدوين والتقنين – التشريعات اليمنية كمثال تطبيقي
الشيخ مسعود (يتكئ إلى الأمام بوقار):
هذا كلام متين في التأصيل النظري يا دكتور حسن. لكن الميدان والواقع هما المحك. كثير من الشباب والطلاب، بل وحتى بعض المشايخ، يتساءلون: هل القوانين النافذة اليوم في الجمهورية اليمنية متفقة حقاً مع هذا الفقه المقاصدي؟ أم أنها مجرد اقتباسات من القوانين الفرانكوفونية واللاتينية؟
القاضي الدكتور حسن (يبتسم بوقار ويأخذ مجلداً من القوانين النافذة):
هذه هي الشبهة التي يجب أن نجلّي زيفها بوضوح وموضوعية. التشريع اليمني يُعد من أنصع الأمثلة في العالم الإسلامي على "تقنين الفقه الإسلامي". إن القوانين النافذة في اليمن لم تكن يوماً استيراداً أعمى، بل جرى تقنينها بيد كبار العلماء والفقهاء والقضاة من أبناء هذا الوطن.
هناء (تفتح مدونتها القانونية):
هل لك يا سيادة القاضي أن تضع لنا معالم هذا التقنين في القوانين الأساسية: الدستور، القانون المدني، وقانون الجرائم والعقوبات؟
القاضي الدكتور حسن:
بالتأكيد. لنأخذها مادة مادة ونصوصاً بنصوص:
- الدستور اليمني:
- المادة (3): تنص صراحة على أن: «الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات». وهذا ليس نصاً إعلانياً، بل قيد دستوري حاسم يمتد إلى كافة القوانين الأدنى.
- الحقوق والحريات: كفل الدستور حرية الفكر والتعبير والملكية والكرامة الإنسانية، ولكن أطرها جميعاً بعدم مخالفة ثوابت الأمة ومقاصد الشريعة.
- القانون المدني اليمني (القرار بموجب القانون رقم 19 لسنة 1992م):
- صياغة فقهية صريحة مستمدة من الفقه الإسلامي (ولا سيما الفقه الزيدي والشافعي والمذاهب الإسلامية الجامعة).
- المادتان (21) و(22): تؤكدان على تطبيق أحكام الشريعة ومبادئها العامة عند غياب النص الصريح.
- نظريات العقد والملكية: بُنيت على أحكام البيوع والخيارات والشروط الشرعية، ومبدأ "لا ضرر ولا ضرار"، ونهت عن الربا والغرر والاستغلال احتكاماً للشرع.
- قانون الجرائم والعقوبات (القرار بموجب القانون رقم 12 لسنة 1994م):
- قسم العقوبات إلى: حدود، قصاص، وتعازير.
- جعل حماية الكليات الخمس هي الغاية التشريعية: (حفظ النفس عبر القصاص، حفظ المال عبر حد السرقة وعقوبات الخيانة، حفظ العقل عبر تحريم المسكرات، وحفظ النسل عبر أحكام الزنا والقذف).
عمار (باندهاش وشغف):
إذن، عندما نقرأ نصاً في القانون المدني أو العقوبات، نحن في الحقيقة نقرأ "فقهاً شرعياً" جرى صياغته بتبويب عصري وبنود رقمية تيسر للقاضي والمواطن الاحتكام إليها!
القاضي الدكتور حسن:
بالضبط يا عمار! التقنين لم يغير جوهر الفقه، بل نقل المادة الفقهية من بطون الكتب المتباينة الآراء إلى نصوص موحدة ملزمة تحسم الخلاف وتضمن الاستقرار القضائي وسرعة الفصل في المظالم.
المشهد الثالث: تكامل العبادات والمعاملات والحقوق
الشيخ مسعود (يمسك بلحيته مفكراً):
لكن يا دكتور حسن، بعض الناس يظنون أن الدين هو "عبادات شعائرية" فقط من صلاة وصيام، وأن القوانين والحقوق والحريات شأن دنيوي منفصل. كيف نوضح للجمهور ولمشايخ العلم هذا التكامل الشامل؟
القاضي الدكتور حسن:
هذه التجزئة هي أخطر ما أصاب الفكر المعاصر. الإسلام دين كلي متكامل؛ لا تفصل فيه بين العبادة والمعاملة، ولا بين الحق والواجب.
(ينظر إلى الشيخ مسعود بإجلال):
يا شيخنا الجليل، أليست العبادات في جوهرها أداءً لحق الله؟ وأليست أحكام المعاملات والحقوق أداءً لحق العباد؟
- الصلاة: تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهذا أساس الأخلاق والتزام القانون.
- الزكاة: عبادة مالية، لكنها في جوهرها حق اقتصادي واجتماعي كفله الشرع للفقراء، وهو ما يُعرف بـ "التكافل الاجتماعي وضمان الحد الأدنى للمعيشة".
- الأمانة في المعاملات: تجعل الوفاء بالعقود واجباً دينياً قبل أن يكون التزاماً قانونياً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
هناء:
هذا يعني أن الحقوق والحريات في النظرية الإسلامية والقانون اليمني المقنن ليست مجرد "مزايا" يمنحها الحاكم، بل هي "واجبات فرائضية" يلتزم بها الجميع!
القاضي الدكتور حسن:
أحسنتِ الصياغة يا هناء!
حرية التعبير – مثلاً – في الفكر الغربي هي "حق للمرء إن شاء مارسه وإن شاء تركه". أما في الشريعة والقانون المستمد منها، فهي ترتقي لتكون واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشهادة الحق، حيث يصبح الصمت عن الظلم أو التزوير جريمة وإثماً.
المشهد الرابع: وعي الشعب والصمود في وجه التحديات
عمار (بتحفز):
يا سيادة القاضي، نحن نعيش في ظل ظروف استثنائية، وعدوان وحصار يستهدفان اليمن أرضاً وإنساناً. كيف يسهم هذا الوعي القانوني والديني المركب في تعزيز "الصمود الشعبي"؟
القاضي الدكتور حسن (تنبعث من صوته نبرة قوة وحماس):
إن الصمود الشعبي ليس مجرد شعار حماسي، بل هو بناء مؤسسي ووعي إيماني وقانوني متين. الحقوق والحريات ليست رفاهية تُمارس فقط في زمن السلم، بل هي أداة التماسك والعدالة التي تجعل المجتمع صفيحاً واحداً في زمن الصمود والمواجهة.
عندما يعلم المواطن اليمني أن صموده ودفاعه عن أرضه وحريته هو:
- واجب شرعي: يستند إلى نصوص القرآن والسنة في دفع العدوان وحماية البيضة.
- حق دستوري وقانوني: يكفله الدستور والقانون الدولي في الدفاع الشرعي عن النفس والسيادة.
عندئذٍ تتحول المبادئ إلى سلوك واعٍ، يستعصي على الاختراق والمساومة.
الشيخ مسعود (يقوم قائماً بثبات):
صدقت والله يا دكتور! العدو يسعى لتفكيك الجبهة الداخلية عبر نشر الشبهات، وإشاعة أن التشريعات والقوانين لا قيمة لها، أو إحداث الفجوة بين العلماء والقضاة وبين طلبة الحقوق والشباب. وحين يستشعر الشعب أن حقوقه مصانة بشرع الله، وأن قوانينه النافذة هي حماية لكرامته وعدالته، يصبح الجدار الصلب الذي تتكسر عليه كل المؤامرات.
هناء:
وهذا ينقل دور القضاء ومؤسسات الإرشاد والتوجيه من مجرد الفصل في النزاعات إلى بناء وعي مجتمعي وحماية الهوية الإيمانية والقانونية.
القاضي الدكتور حسن (يقف بجانبهم ويخاطب الجميع بلهجة حاسمة ومستشرفة):
إن مهمة لجنة توحيد الخطاب الديني وشعبة التوجيه والإرشاد، بالتعاون مع رجال القضاء والمؤسسات الأكاديمية، هي ردم الفجوة الوهمية بين "قال الله وقال الرسول" وبين "نص المادة القانونية".

نحن أمة تمتلك أرصن نظام حقوقي وأعدل تشريع عرفته البشرية. وعينا بالقانون المقنن على ضوء الشريعة هو السلاح الفكري الذي يوازي السلاح في جبهات الصمود. بالعدل وسيادة القانون المستمد من شرع الله تُبنى الدول، وبالوعي والثبات تصمد الشعوب وتنتصر.

(يلتقي الجميع في وسط القاعة في حوار ختامي يسوده التآزر واليقين، بينما تسلط الأضواء على الكتب الفقهية والدستورية كرمز للوفاق والأصالة).
(تُغلق الستارة على صوت القاضي الدكتور حسن وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾).
- تمت الحلقة الثالثة عشرة -
- يليها الرابعة عشرة -

حول الموقع

سام برس