بقلم / القاضي د. حسن حسين الرصاب
الظلمُ ليس مُجرَّدَ انحرافٍ أخلاقيٍّ عابر، بل هو ظلماتٌ مُتراكمةٌ تعمي القلوب، وتُخرِّبُ الديار، وتُهلكُ الأُمَم. وإذا كانت كَبائرُ الذُّنوبِ تُرجَأُ تَبِعاتُ حسابِها في كَثيرٍ مِنَ الأحيانِ إلى يومِ القيامة، فإنَّ الظلمَ يُستثنى مِنْ هذا الإمهال؛ إذ تُعَجَّلُ عقوبتُهُ للظالمِ في الحياةِ الدنيا قبلَ الآخِرة. فالديّانُ جلَّ جلالُهُ لا ينام، وميزانُ العدلِ الإلهيِّ قائمٌ بالحقّ، يَقْتَصُّ مِنَ الظالمِ في دارِ العملِ لِيَعْتَدِلَ ميزانُ الحياة، وليشهدَ الناسُ عيانًا أنَّ للبَغْيِ صَرْعَةً محتومةً لا مَفَرَّ منها.
وفي هذا المَعْنى العظيم، يُحَذِّرُنا الرسولُ الأكرمُ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليه وعلى آلهِ إذ يقول: «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ، يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ وَيَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ». إنه وعدٌ إلهيٌّ قاطع، وسهمٌ نافذٌ في ليلِ الظَّلَمَة، لا تمنعُهُ الحُجُبُ ولا تَرُدُّهُ السُّحُب.
أولاً: أبعادُ الظلْمِ ومَظاهِرُهُ المُسْتَتِرَة
لا يُقْتَصَرُ الظلمُ على بَطْشِ السَّلاطينِ أو اغتصابِ الأراضي والأموالِ جِهارًا، بل يتسلَّلُ في تفاصيلِ الحياةِ اليوميةِ في أشكالٍ قد يَغْفُلُ عنها الكثيرون:
- ظلمُ الذات: بالإصرارِ على الذنوب، وإهمالِ الحقوقِ الإلهية، وتحميلِ النفسِ ما لا تُطيقُ في مَعْصيةِ الخالق.
- الظلمُ الأُسَرِيُّ والاجتماعي: بكسرِ الخواطر، أو حرمانِ النساء والأيتامِ مِنْ حقوقِهِم، أو المفاضلةِ الجائرةِ بينَ الأبناء، أو الإساءةِ إلى أصلِ المعاشرةِ بالمعروف.
- الظلمُ الوظيفيُّ والقيادي: بهَضْمِ جهودِ المرؤوسين، أو محاباةِ غيرِ المستحقين، أو استغلالِ النفوذِ والسلطةِ لإلحاقِ الضررِ بالآخرين.
ثانياً: خَطَواتٌ عَمَلِيَّةٌ للاجْتِنابِ والتَّصْحيح
لتحصينِ الأنفسِ والمُجتمعاتِ مِنْ وِزْرِ الظلمِ وعقوبتِهِ الدنيويةِ والأخروية، يُوصَى باتّباعِ الخُطواتِ التالية:
- الرَّقابةُ الذاتيةُ الصَّارِمَة:
تَفَقَّدْ أفعالَكَ وأقوالَكَ اليومية؛ في بيتكَ، وفي عملك، ومع جيرانك. اسألْ نفسَكَ قَبْلَ كُلِّ قرار: "هل في هذا صَنِيعٌ يَهْضِمُ حَقَّ أحَد؟" فالظلمُ يبدأُ بكلمةٍ جائرةٍ أو نَظْرَةِ استخفافٍ قبلَ أنْ يَتَعاظَم.
- المُبادَرَةُ بالفَوْرِ إلى التَّوْبَةِ وَرَدِّ المَظالِم:
إذا بَدَرَ مِنْكَ ظلمٌ أو تجاوزٌ بحقِّ مَخْلوق، فلا تُرجِئِ الاعتذارَ والتَّصحيح. بَادِرْ فورًا إلى رَدِّ الحقوقِ إلى أصحابِها، وطلبِ العَفْوِ مِنْهُم قبلَ أنْ يأتيَ يومٌ لا ينفعُ فيه مالٌ ولا بنون، ويَكونُ القِصاصُ بالحسناتِ والسيئات.
- الوُقوفُ في وَجْهِ الظَّلَمَةِ وَنُصْرَةُ المَغْصوبين:
إنَّ مسؤوليةَ الفردِ لا تنتهي عندَ كَفِّ يَدِهِ عَنِ الظلم، بل تَمْتَدُّ لتَشْمَلَ الأَخْذَ على يَدِ الظالم، ودَعْمَ المَظلومِ والأَخْذَ بِيَدِه. فالمُجتمعاتُ التي تُسَاومُ على العدالةِ أو تَسْكُتُ عَنِ البَغْيِ تَسْتَجْلِبُ العقابَ العَام.
- اسْتِحْضارُ المَصيرِ وَسُرْعَةِ حِسابِ الدُّنْيا:
تَذَكَّرْ دَائِمًا أنَّ قُدْرَةَ اللهِ عليكَ أَعْظَمُ مِنْ قُدْرَتِكَ على الناس، وأنَّ دعوةَ المظلومِ ليس بينها وبينَ عرشِ الرحمنِ سِتْر. مهما استعلى الظالمُ بسُلطانِهِ أو مالِه، فإنَّ دَعوةً واحدةً مُخلِصَةً مِنْ قلبٍ مَكْسورٍ كَفِيلَةٌ بَهَدْمِ عُرُوشِ الظُّلْمِ ومَحْقِ بَرَكَتِهِ.
خاتِمَةٌ وَدُعاء
إنَّ الحياةَ استقامةٌ وعدل، ولا يَسْتَقِيمُ بِنَاءُ الأُمَمِ ولا تَطْمَئِنُّ النفوسُ إلا بالإنصافِ وإعطاءِ كُلِّ ذي حَقٍّ حَقَّه. فلْنَكُنْ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرّ، حُرَّاصًا على أنْ نَلْقَى اللهَ بِخِفافِ الأَثْقالِ وَنِقَاءِ الصُّدُور.
اللهم إنّا نعوذُ بكَ أنْ نَظْلِمَ أوْ نُظْلَم، أوْ نَجْهَلَ أوْ يُجْهَلَ علينا. اللهم جَنِّبْنا وجَنِّبْ أُمَّتَنا الظُّلْمَ والظَّالِمين، واجْعَلْنا مِنْ أَهْلِ العَدْلِ والقِسْطِ والمَرْحَمَة، يا ربَّ العالمين.


























